تعيش حكومة الرئيس حسان دياب كل يوم هاجس إبعاد كأس تغييرها في أي لحظة مناسبة. وتعيش كمجموعة، عدم قدرتها على تغيير المهمة التي أتت من أجلها بتنفيذ اتفاقات سياسية تجري خارج طاولة مجلس الوزراء، فيما معظم أفرادها يعملون على أجندات خاصة، ولتلميع صورهم السياسية والشخصية. قد يتمكن رئيس الحكومة من تمرير بند من هنا أو تعيين من هناك، كما جرى في نواب حاكم مصرف لبنان، لكنه يعرف تماماً أنه لم يكن قادراً على مواجهة تبعات قراره لو لم يحظ أيضاً بغطاء سياسي. وإلا كيف لرئيس حكومة أن يتحول شاكياً من أداء حاكم المصرف، ويتفرج على انهيار سعر الليرة، فيما ينسج الأخير تسوية سياسية سمحت له مع مجموعة مصرفيين بالنفاذ من كمية الارتكابات والسرقات التي يمارسونها ضد المودعين. وإذا كانت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وما تواجهه حكومة دياب من تكتل القوى السياسية ضد أرقامها ومفاوضاتها، أكبر دليل على أن هذه الحكومة مجرد واجهة ظرفية ولا قدرة لها على التعامل مع أي خضة داخلية على مستوى القوى السياسية، فإن الاستحقاق الأكبر المقبلة عليه في 7 آب المقبل سيكون محكّاً أساسياً لها. فمع اقتراب موعد إصدار المحكمة الدولية قرارها في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تبرز مجموعة تحديات تواجه الحكومة وتضع دياب نفسه أمام اختبار جديد، إذ ليس أمراً بسيطاً أن تنطق المحكمة الحكم في هذه المرحلة الحساسة التي يعيشها لبنان. ومجرد تعيين موعد للنطق، يزيد من أعباء المرحلة الراهنة، خصوصاً في ظل ضغوط أميركية تتعلق بمهمة اليونيفيل في لبنان والحدود مع سوريا وتشديد العقوبات، ومع ارتفاع حدة التجاذبات السياسية الداخلية على مستويين لبناني عام، وسنّي خاص.

يواجه دياب منذ مجيئه رئيساً للحكومة أزمة ثقة في بيئته. وهو ما برح منذ تعيينه يسعى الى تقديم أوراق اعتماده الى المرجعية السنية الروحية والجمهور السنّي تحت عنوان وحيد، وهو حفاظه على صلاحيات رئيس الحكومة. لكنه في المقابل لم يحصد تعاطف الطرفين، ولا سيما أنه لا يتورع عن توجيه انتقاداته الى أسلافه وأدائهم السياسي والاقتصادي. وما فعله مثلاً رؤساء الحكومات السابقون واستعادتهم لحضور الرئيس سعد الحريري معهم أضاف الى الحساسيات الموجودة عوامل إضافية، وجعلت منه منزوع الغطاء السنّي الشامل، رغم زياراته لدار الفتوى التي يريد منها تغطية في أي أزمة مقبلة، ساعياً الى نسج علاقة سوية معها بعد انكفاء، علماً بأنه لم ينجح في أن يكون شخصية سنية محايدة على طراز بعض الشخصيات الخارجة عن أطر البيوتات التقليدية وتولت رئاسة الحكومة مرات، وتحولت شخصيات لها حضورها ونكهتها في تاريخ رؤساء الحكومات.

مواجهة الاستحقاق الآتي لا تبدو في أولويات الحكومة التي قد تنأى بنفسها عن تداعياته


لذا يأتي استحقاق المحكمة وقرارها في توقيت دقيق، لأنه سيكون مناسبة مزدوجة، تضع العهد والحكومة أمام تحد يضاف الى ما يواجهانه. وموقع دياب في هذا النقطة أكثر حساسية، لأن هناك من سيعمل بطبيعة الحال على اللعب على وتر التجييش والمزايدة سنيّاً ولبنانياً، ما يجعله الحلقة الأضعف في مواجهة أي ردّ فعل على القرار من أي جهة أتى، مع العلم بأن أي قرار سيضع أيضاً الحريري في قلب مزيدات من المعارضين داخل تياره، وفي الشارع السنّي أيضاً، رغم أن الحريري سبق أن أبدى موقفه مسبقاً من أي قرار سيصدر عن المحكمة، وفصل المسارات بينها وبين الواقع الداخلي وعلاقاته مع القوى السياسية، وتحديداً حزب الله. لكن وجوده في الحكومة، مع ما يمثله في الطائفة السنية، يوم إصدار القرار، كان ليشكل حماية أفضل للوضع الداخلي. والأكيد أن حزب الله كان ليرتاح الى وجوده أكثر من وجود دياب. وأي مزايدات من هذا النوع ستعيد نبش كثير من الملفات النائمة وتفتح باب التوتر الميداني، وخصوصاً أن القرار المنتظر سيعيد الى البعض من القوى السياسية المناسبة لإعادة إحياء مرحلة 2005 بكل تداعياتها، مقارنة مع ما يجري حالياً من ضغط دولي وداخلي من بعض القوى السياسية ضد حزب الله. وهذا يضاعف كمية الاستحقاقات الآتية، ويصبح تاريخ 7 آب مفصلاً أمام الحكومة التي تتولى إدارة الوضع الداخلي، في مواجهة أي تجييش ومزايدات تزيد من الأعباء، في حين أن المطلوب من الآن حتى تاريخه الاستعداد للتعامل مع الاحتمالات المطروحة بتروٍّ، ومن دون فوقيات، مع ملاحظة أن مواجهة الاستحقاق الآتي لا تبدو في أولويات الحكومة التي قد تنأى بنفسها عن تداعياته بحجة أنها حكومة غير سياسية، وتترك للقوى المعنية ترتيب أوضاعها في ما بينهما، كما تفعل الآن خارج طاولة مجلس الوزراء.