يُسأل أنطوني هوبكنز في أحد أفلامه (the edge): هل تعرف لماذا الأرنب غير خائف؟ فيجيب: لأنه أشدّ ذكاء من النمر!

أستذكر هذا الكلام في المشهد اللبناني يومياً، وخصوصاً حين أسمع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يتكلم، فلا أفهم من كلامه الكثير. لكنني أندهش لغياب أي علامة خوف عليه، كيف ذلك والكلّ يريد رأسه بحق أو بغير حق... ثم أعود بالتفكير في رواية ‘Les animaux malades de la peste’، وخلاصتها أنه عندما أصاب المرض حيوانات الغابة، اجتمعت جميعاً لتحمِّل مسؤولية الوضع المزري الذي وصلت إليه لأحد، وينتهي الأمر بقتل الحمار. طبعاً، لم يذهب المرض عنها ولم تجد دواءً، لكن كما هو سائد يجب أن يكون هناك دائماً كبش فداء. والكل في لبنان يريد كبش فداء، لكن من المؤكد أن أرنب مصرف لبنان ليس بحمار تلك الرواية...
لا يختلف اثنان على أن حسابات مصرف لبنان في تاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ كانت جدّ مريبة. فالهندسات المالية وحدها كبّدت المصرف خسائر كبيرة واستفاد منها كثيرون. اليوم، توجد حال من الذعر عند كل رجال الأعمال، وخصوصاً من استفادوا من تلك الهندسات وسيتوجّب عليهم إعادة تلك الأرباح في أقرب فرصة. ودائماً ما نسمع أن المساومة ستحصل مع أصحاب الـ ٦٠٠٠ حساب وستتحوّل أموالهم إلى أسهم في بنوك شبه مفلسة. يعمد اليوم أصحاب هذه الحسابات إلى بيع شيكات مقابل دولارات نقدية، حتى إذا أتت ساعة الحساب تكون هذه الحسابات فارغة. فهنالك عرض كمية كبيرة من هذه الشيكات، إذ أضحت قيمة الشيك تساوي ٣٣٪ بالعملة الصعبة. بعض هؤلاء كانوا أذكى من الآخرين، إذ سيّلوا أموالهم عندما كان السعر ٨٠ و٧٠ و٥٠ و٤٠٪، في تلك المرحلة معظم من اشتروا هذه الشيكات كانت غايتهم تسكير قروضهم لدى البنوك، أما اليوم فقد أصبح السعر ٣٣٪، لكن من يدفع الكاش ليشتري الشيكات؟
طبعاً أصحاب القروض التجارية سدّدوا قروضهم بالدولار لأن البنوك رفعت الفائدة على القروض التجارية وما تبقى هي قروض تجزئة معظمها بالعملة اللبنانية، أو إذا كانت بالدولار كقروض السيارات والمنازل فلا يزال تسديد هذه القروض يتمّ بالعملة المحلية.
السؤال الوحيد اليوم: من يشتري الشيكات؟ والجواب هو حاكم مصرف لبنان من دون شك يشتري القسم الأكبر. فكما نعرف في الميزانيات ليس هنالك دولار نقدي ودولار على الورق. كله دولار، ومن دون شك يستفيد الحاكم من هذا الوضع. فهو يعمد إلى شراء الدولار لتسكير العجز الحاصل في ميزانية مصرف لبنان، فأهلاً وسهلاً بالتدقيق الجنائي ونعدكم بأن الحاكم بعد دراسة ميزانيته الجديدة سيحصل على أرقى الأوسمة وسيدقّ جرس البورصة في نيويورك من جديد...
في الغابة، تفترس النمور الكثير من الأرانب لأن نمور الغاب شابّة ونشيطة وسريعة، أما نمور لبنان فهي كهلة ساذجة وجبانة يلعب الأرنب أمامها وبها وهي عاجزة عن الوقوف أو الزئير حتى لإخافته، فحتى زئيرها ــــ إن فعلت ــــ أشبه بالنحيب. أما الحمار، أو بالأحرى الحمير أي كبش الفداء، فليس مصيرهم الشنق، إنما اليأس والفقر والموت البطيء.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا