تتنعّم الطبقة الحاكمة بكاملها بأيام العطلة. بين عيدَي الميلاد ورأس السنة، انصرف كل منهم إلى عائلته متناسياً أن ٦٠٠ ألف عائلة صارت غير قادرة على تأمين متطلبات العيش. أن يقال إن كل المسؤولين غير مبالين إلا بمصالحهم فهذا تكرار، لكنه قد يكون ضرورياً لمن لا يزال مقتنعاً بأن الحل سيأتي على يد من أوصل البلد إلى الانهيار. حتى الحديث عن عودة الحركة السياسية مع بداية العام فيه الكثير من التفاؤل المفتعل. وهو أقرب إلى ما سوّقه سعد الحريري من على منبر قصر بعبدا، حين أعلن أن الحكومة يمكن أن تُؤلف قبل عيد الميلاد، ثم انتقل الى حديث عن تأليفها بعد رأس السنة. ببساطة قرر الرئيس المكلّف استبدال مهمة تأليف الحكومة بالدخول في معركة رأي عام. وعليه، ليس المهم أن تؤلف الحكومة، الأهم أن توجه أصابع التعطيل إلى بعبدا لا إلى بيت الوسط. العقد الحكومية هي نفسها، وهي لن تتغير على الأرجح، كما أنها ليست مرتبطة مباشرة بالتأليف بقدر ارتباطها بغياب أي إمكانية للتفاهم بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري. لكن مع ذلك، فإن المسؤولين في الداخل لا يخجلون من التأكيد أن كل الأمور قابلة للحل، في ما لو أتت كلمة السر الأميركية الى الحريري أو بضغط فرنسي على السلطة السياسية. ربط تأليف الحكومة بتسلّم جو بايدن للرئاسة صار أمراً واقعاً، وهو ما دفع المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان بان كوبيتش الى السخرية عبر إشارته في تغريدة الى أن «الاقتصاد المالي والنظام المصرفي في حالة من الفوضى، والسلام الاجتماعي بدأ بالانهيار، والحوادث الأمنية آخذة في الارتفاع. الهيكل اللبناني يهتز في أساساته»، فيما «يبدو أن القادة السياسيين ينتظرون بايدن. لكن، هذا لبنان، وليس الولايات المتحدة». لكن ثمة من لا يريد أن يرى هذا الانهيار، ولا أن يتحمل مسؤوليته في وقف ولو نسبة صغيرة ممّا تسبّبت فيه حكومته والحكومات المتعاقبة، لينضم الى ركب محاولي تبييض صفحتهم أمام الرأي العام، وإلقاء كل الموبقات التي ارتكبوها على مرّ السنوات على عهد ميشال عون وجبران باسيل شخصياً.

وسط هذا الجمود والمساعي المقفلة لتأليف حكومة جديدة نتيجة بقاء المشهد السياسي على ما هو عليه بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف، يمارس رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط لعبته المفضلة التي تقتصر على إلقاء تنظيراته السياسية في الوقت الضائع، علّه يجد من يصدقها. ففي حديث الى جريدة «الأنباء»، صرّح جنبلاط بأن الحزب الاشتراكي هو الوحيد في المواجهة، من دون أن يوضح مواجهة من، ما دام هو أحد أركان «المافيا» التي أوصلت البلد الى الإفلاس والانهيار الشامل، ليتحدث بعدها عن إعداد كتلته ملفاً عن الكهرباء وتوجهها الى النيابات العامة لكن «القضاء ليس مستقلاً». ويتعجب البيك من عدم انضمام أي من الجماهير اليه في هذا الملف الذي ظهر صدفة بعد فتح التيار الوطني الحر ملف وزارة المهجرين. من ناحية أخرى، هاجم جنبلاط حزب الله، أو «إيران متمثلة بحزب الله»، مشيراً الى استفادة الحزب من الفراغ في لبنان، و«تركيبه أجهزة ATM في مناطقه تمكّن من سحب مبلغ يصل إلى حد الـ5000 دولار نقداً، والمواطن اللبناني العادي يذهب إلى المصارف و»يتشرشح»، ولا يستطيع سحب إلا كمية قليلة جداً بالعملة اللبنانية وبعد الواسطة. أما هم فنراهم مرتاحين». ما سبق دليل آخر على «الكذب» الجنبلاطي بحديثه عن الصراف الآلي التابع لمؤسسة القرض الحسن التي لا توزّع دولارات على المارّة، بل تمنح زبائنها قروضاً لقاء رهنهم لكمية معينة من الذهب. أما حكومياً، فيحمّل زعيم المختارة مسؤولية عدم البت به الى «عون والحريري وحزب الله، ولا ننسى أن التيار الوطني الحر فريق أساسي، كما وقعت أخطاء من قبل الحريري أنه يريد أن يفرض على ميشال عون أسماء معينة، فهناك خلاف حول الأسماء بحسب الظاهر، كما هناك خلاف حول الوزارات». وانتقد إصرار الحريري على اختصاصيين، فـ«اختصاصي وغير مُلمّ بالسياسة أمر ليس بالسهل في لبنان. يمكن أن يكون اختصاصياً في فرنسا وغيرها من البلدان، لكن في لبنان تريد اختصاصيا وقادراً على أن يفرض رأيه السياسي».

قرر الحريري استبدال مهمة تشكيل الحكومة بالدخول في معركة رأي عام


على طريقة جنبلاط نفسها، أتى تصريح النائب نجيب ميقاتي الذي دعا الى «تشكيل الحكومة وليحدد مجلس النواب موقفه من منح الثقة لها أو عدمه». أي إنه يطلب من رئيس الجمهورية البصم على تشكيلة الحريري من دون أن يلعب أي دور في هذا السياق. واعتبر «أن تصرّف الرئيس عون يوحي وكأنه جزء من فريق سياسي وليس حكَماً، أو كأنه ما زال رئيساً للتيار الوطني الحر، ويتطلع الى سدة الرئاسة، ورئيس التيار الوطني الحر يتصرف وكأنه رئيس للجمهورية»، ليعقّب بعدها بأن على الرئيس «أن يقتنع بأنه ليس شريكاً في السلطة التنفيذية، بل فوق كل السلطات، فلننته من سياسة التعطيل المستمرة منذ 1989». يتجاهل هنا ميقاتي أنه كان لرئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان حصة وزارية من دون أي اعتراض من ميقاتي الذي يبتدع اليوم شروطاً سبق له أن أجازها لنفسه. وفي مقابلته مع المؤسسة اللبنانية للإرسال، أكد «أنه لا ينصح الرئيس الحريري بالاعتذار»، مشيراً الى أنه «في حال اعتذر وأعيدت تسميته مجدداً، فحتماً سنصل الى طريق مسدود، وإلى أزمة حكم، ونكون أضعنا المزيد من الوقت والفرص لمعالجة الأوضاع».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا