بوجود شركاتٍ مالية ومصارف تجارية وأفراد يحتمون بـ«القوانين» لتغطية ممارسات «غير أخلاقية» في السوق، يكون مصرف لبنان قد فَقَد صفته كناظمٍ للقطاع المالي... أو تخلّى عنها. فعملياً، لم تنتزع أي جهة صلاحيات «المركزي» منه، وما زال يملك أوراقاً تعطيلية عديدة بين يديه يستخدمها كلّما هُدّد بفضح مخالفاته السابقة. ولكنّ «المركزي»، عبر الجهات الرقابية والهيئات التابعة له، قرّر عدم ممارسة واجباته وترك القرار لـ«السوق». فيوم أمس، اجتمع مجلس إدارة هيئة الأسواق المالية (يُفترض بها أن تكون مُستقلة، ولكن يرأس مجلس إدارتها حاكم المصرف المركزي، رياض سلامة) ليُناقش في مُشكلة طرأت بين إحدى شركات تجارة الأسهم والسندات من جهة، وبعض زبائنها من جهة أخرى.

شركة «رويال فايننشال» أبلغت الزبائن أنّها تُمهلهم ثلاثين يوماً (انتهت المُهلة) لإقفال حسابات التداول في الأسواق المالية خارج لبنان والعقود الآجلة، على أن تدفع للزبائن أموالهم إما عبر شيك مصرفي أو حوالة مصرفية إلى حسابهم في المصارف اللبنانية. زبائن «رويال فايننشال» الذي استخدموا حساباً مصرفياً خارجياً للتعامل معها، أُعيدت إليهم أموالهم في الخارج، بحسب ما يقول مؤسّس الشركة، ريان العنّان لـ«الأخبار». هؤلاء الزبائن لم يفقدوا قيمة استثماراتهم بسبب عدم وجود مشكلة سعر صرف أمام الدولار الأميركي، على العكس من الزبائن الذين حرّروا شيكات بالدولارات صادرة عن مصارف لبنانية للاستثمار لدى الشركة. تُريد «رويال فايننشال» أن تُعطي شيكاً مصرفياً لمن استثمر - مثلاً - 30 ألف دولار قبل تشرين الأول 2019 يوم كانت قيمتها «حقيقية» ويُمكن تسييل الشيكات بالدولار، رافضةً طلب الزبائن المُعترضين عدم بيع أسهمهم وتحويلها إلى شركات أخرى، كما رفضت الموافقة على بيع الأسهم شرط تحويل قيمتها إلى حسابات مصرفية خارج لبنان. ومنحُ الزبون «شيكاً مصرفياً» صادراً من لبنان يعني أن قيمة أمواله ستنخفض إلى أقل من نصف القيمة التي كانت عليها يوم «أودعها» لدى الشركة، لأن المصارف اللبنانية سترفض صرف الشيك المصرفي، إلا بالليرة اللبنانية ووفقاً لسعر «المنصة» (3900 ليرة للدولار الواحد).
ويتسلّح أحد الزبائن في هذه الحالة بأنّه لم يُوظف أمواله في المضاربات ولا الحسابات القصيرة الأجل، بل كانت استثمارات طويلة الأجل في الأسهم الأميركية، «ما يُبرّر» - من وجهة نظره - الدعوة إلى نقل المحفظة بقيمتها السوقية إلى شركة وساطة مالية (شركات يتم التداول بالأسهم في الأسواق العالمية عبرها) في دولة أخرى. وبالنسبة إلى الزبائن، فإنّ «من غير المقبول» أن تكون «رويال» قد وظّفت أموال الناس في الأسواق العالمية وقبضت العوائد عليها بالدولار الأميركي، ولكن تُريد إعادتها بـ«الدولار المحلي»، طارحين علامات استفهام إن كانت تستخدم هذه الطريقة «لتحرير أموال لها لدى المصارف اللبنانية، فتستخدمها عبر التسديد للزبائن، فيما تحتفظ بالدولارات الحقيقية في الخارج». تنفي «رويال فايننشال» ذلك، مؤكدة أنّ أرباحها ناتجة فقط عن العمولات التي تتلقاها، وأنّها مُجبرة على ردّ قيمة المبلغ بنفس الطريقة والقناة اللتين تسلمته بهما من الزبون، وأنّ شركة الوساطة التي وُظّفت الأموال لديها لا تقبل بتحويل حسابات التداول إلى جهات ثالثة. ولكنّ «رويال» خلال هذه الفترة، لم تتورّع عن «ابتزاز» الزبائن المُعترضين على إقفال الحسابات وطريقة الدفع (عددهم ثلاثة)، و«تهديدهم» بتسديد مُستحقاتهم بالليرة اللبنانية وفق سعر الصرف الرسمي البالغ 1515 ليرة. وبحسب المعلومات، فإنّ الشركة انتظرت حتّى مساء أمس، لـ«تُفاوض» أحد الزبائن المُعترضين، بتقديم عرض له أن يقبل «فوراً» الحصول على شيك مصرفي بقيمة استثماراته بالدولار يودع لدى أحد المصارف اللبنانية، وإقفال الملفّ. إلا أنّ العنّان يؤكد أنّ القرار مُتخذ بتحرير كلّ الشيكات بالدولار، في لبنان.
خلال اجتماعها أمس، لم تُصدر هيئة الأسواق المالية توصيتها بعد أن تباينت الآراء بين أعضائها. قسمٌ من الأعضاء، مُقتنع بأنّ طريقة تصرّف «رويال فايننشال» لم تكن أخلاقية وفيها تعدٍّ على مصالح الزبائن، «حتى ولو كانت تحظى بغطاء قانوني». أما القسم الثاني، ففضّل نفض يديه من المسؤولية، عبر تشجيع الزبائن على تقديم دعاوى قضائية. وحجّة هذا القسم أنّ لجنة العقوبات والمحكمة الخاصة بالهيئة، «التي كانت لتبت الملفات الخلافية في غضون ستة أشهر، ولديها صلاحية سحب التراخيص من الشركات المالية المُخالفة، غير مُعينة». يعتبر أصحاب هذا الرأي أنّه «طالما أنّ سعر الصرف الرسمي لم يُعدّل، والمصرف المركزي لا يعترف بأسعار صرف أخرى، فلا يُمكن الوقوف بوجه الشركة إنْ هي قرّرت اعتماد سعر الـ1515». يرفع أعضاء مجلس الإدارة أياديهم نحو السماء كما لو أنّهم فعلاً عاجزون، وهم يُدركون أنّ الشركة المالية بإجراءاتها «تحقّق ربحاً مضاعفاً ثلاث مرات نتيجة الفارق بين الدولار الأميركي والدولار في المصارف اللبنانية». لماذا لا تتحركون إذاً، كما تصرفتم قبل أشهر قليلة مع شركة «فيدوس» حين انتهكت مصالح أحد زبائنها؟ الردّ من «الأسواق المالية» أنّها تنتظر عرض تقرير وحدة الرقابة على الأسواق المالية أمام مجلس الإدارة، والتأكّد من تقنيات العملية: «كيف فُتحت الحسابات؟ كيف حُوّلت الأموال؟ من سجّلها؟ هل يتم تبليغ الزبون بالمستجدات؟ ولماذا تم توقيع عقود آجلة لما بعد سنتين إذا كانت المشاكل المالية قد بدأت؟».

لم تُصدر هيئة الأسواق المالية توصيتها بعد أن تباينت الآراء بين أعضائها


يُخبر مؤسّس «رويال فايننشال» كيف أنّ الشركة كانت تودع الشيكات المُحرّرة من الزبائن في حساباتها في لبنان، مُستخدمةً حساباتها المصرفية خارج لبنان للتداول بالأسهم، «نحن كنا نتولّى حصراً العلاقة مع شركات الوساطة». هذه الأخيرة، وتحديداً «شركتَي «إنتر أكتفيت» و«مُباشر» اللتين نتعامل معهما، طلبت قبل مُدّة وقف التعامل معنا بسبب الأوضاع المالية في لبنان». بالنسبة إلى العنّان، هذا «ظرف قاهر» يُتيح لشركته اتخاذ قرار إقفال الحسابات وتسييلها والاكتفاء فقط بإبلاغ الزبون القرار، في حين أنّ آراء قانونية، ومن بينها لأعضاء في «الأسواق المالية»، تُصنّف ما جرى بخانة «بيع مال الغير». يلعب العنّان في كلامه على حبال المصطلحات: «مال الزبون لم يخرج من لبنان بل استخدمت أموال شركتي للاستثمار في الخارج»، مُعتبراً أنّ ذلك يسمح لها بتسديد المبالغ في لبنان، «أما إذا كانت المصارف اللبنانية لا تسمح بسحب الأموال فهذه ليست مُشكلتنا». ولكن، بالنسبة إلى مسؤولين ماليين، «من الطبيعي أن تأخذ شركات مالية الشيكات من الزبون لتُموّل بها حساباتها المصرفية في الخارج، حتى تشتري الأسهم لصالح الزبائن. والشركة حصلت على شيكات حين كانت قيمتها «حقيقية»، وحوّلت الأموال إلى الخارج حيث استخدمتها لشراء الأسهم، وحققت الأرباح في الخارج، وبالتالي، يمكنها تحويل الدولارات الطازجة إلى الزبائن في لبنان». ويعتبرون أنّ «رويال فايننشال» تتصرّف مع زبائنها «تماماً كما تصرّفت المصارف مع المودعين». وهذا الأسلوب يدفع المسؤولين الماليين إلى الاعتقاد بأنّ «الشركة تُريد مُغادرة السوق». ينفي العنّان ذلك، سائلاً إن كانت شركة «تملك فوق الـ10 ملايين دولار نقداً، وأرباحاً عالية، وتدفع نقداً لإعادة ترميم المكتب الذي تضرّر في انفجار 4 آب، هل تكون تُريد مُغادرة لبنان؟»، واصفاً ما يحصل معه بـ«تشويه السمعة».
ليست «رويال فايننشال» وحيدة في ما تقوم به. إلى جانبها، تقف مصارف تجارية لبنانية كانت قد استثمرت نيابةً عن زبائن في محافظ أسهم خارجية وفي مُنتجات تأمين بالعملة الأجنبية، تُريد اليوم تسييلها والدفع للزبون بالدولار المحلي، ما يعني فقدان قيمة استثماراته. يحصل كلّ ذلك في غياب الجهات الرقابية، والتعامل مع الأزمة عبر تجاهلها كما لو أنّ ذلك يُلغي وقوعها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا