اليوم، تردّ القاهرة لمفكّرها بعضاً من الجميل في احتفال تحتضنه «دار الأوبرا». وللمناسبة ننشر مقتطفات من نص لناشر أبو زيد، ليكون مقدّمة «التجديد والتحريم والتأويل: بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير» الذي سيصدر عن «المركز الثقافي العربي»

حسن ياغي*
قبل أشهر من وفاة الصديق العزيز الدكتور نصر حامد أبو زيد، أرسل إليّ مجموعة من أوراقه، وقال لي: «انظر فيها، وحين نلتقي نتفق ماذا نفعل، عندي أفكار كثيرة أريد أن نتبادل الرأي فيها». وبالفعل، التقينا أوائل شهر أبريل (نيسان) في بيروت. راح يتحدّث عن الأمور التي تشغله بحماسة كانت تجعلني أضحك، كلما طرق موضوعاً جديداً. وكان الصديق العزيز نصر، كعادته، مرِحاً، وقال لي «إيه يا بو علي، أنت بتتريَق عليّ». كنّا نضحك معاً وأنا أعلّق: «لكن من أين لك ولي ما يكفي من العمر للقيام بكل ما تقترحه «يا نصر يا ابن أبي زيد»».
وإذ أسوق بعض وقائع ذلك اللقاء الأخير، فذلك لأوضح لماذا أسمح لنفسي بأن أكتب هذه المقدمة التي هي محاولة للتعبير عن أفكاره. وسأحاول هنا أن أقدّم بعض النقاط التي كانت تشغله:
النقطة الأولى: موضوع الدراسات القرآنية. كان طموحه أن يسهم في إنشاء مؤسّسة علميّة تختصّ بالدراسات القرآنية.
النقطة الثانية: العمل على تفسير جديد للقرآن. في آخر لقاء لنا، قال لي إنه قرر البدء بهذا العمل الذي أُجّل، على أن يقوم به على دفعات، وأن يضمّ الجزء الأول من هذا التفسير مقدّمة تكون بمثابة دراسة نقديّة للتفاسير الموجودة، مع إبراز ميزات وأهميّة التفسير الجديد الذي يقترحه، مع تقديم نماذج من طريقته في التفسير واستنباط المعنى.
النقطة الثالثة: ترجمة الموسوعة الإسلامية التي كان الدكتور نصر أحد المشاركين في إعدادها، ويراها الأوسع والأكثر علميّة، ويرى أن عدم ترجمتها إلى العربيّة نقص كبير. وقد بذل من أجل ذلك جهوداً كثيرة، وتوصّل أخيراً إلى توفير التمويل اللازم للبدء بالعمل في ترجمتها. وهذا مشروع آمل أن يرى النور رغم غياب العزيز الدكتور نصر.
عندما عرض لي ما يريد الانصراف إليه، قلت له: «أنت ما زلت مصرّاً على إنقاذ هذه الأمّة من الجهل والخرافة في زمن مستحيل. فكم سنعيش بعد أنا وأنت يا نصر يا صديقي؟».
لكنه أجاب بضحكته الصافية الودودة: «مالك يا بو علي، إنت تعبت. أنت طالما قلت لي إنني أضيّع الكثير من الوقت والجهد. وها أنذا سأتقاعد يوم 14 أغسطس، وسأتفرّغ لك تماماً، «أمّا نشوف شطارتك»».
وكان هذا الحوار الذي دار بيننا حواراً شاقاً، لأن القضايا التي كان يريد التصدّي لها شائكة وصعبة. وقد قلت له بعد طول استماع: «أيّ طريق شائك هذا الطريق الذي تريد شقّه». وكان جوابه: «إنه طريق فهم القرآن، وفهم حركة الرسول بين الواقع والوحي الذي بلّغه كلام الله بلغة البشر ووجّهها إليهم. إننا بحاجة إلى فتح آفاق جديدة في الدراسات القرآنية، مستفيدين من المناهج الحديثة في قراءة النص القرآني. إن الدراسات القرآنية الحديثة يجب أن تفتح النص القرآني على الحياة، وتُسهم في بناء حياة يدخلها النور، نور المعرفة والفهم، والحق في اختلاف الفهم والقراءة والتفسير. علينا ألّا نخاف من أولئك الذي يعادون المعرفة، ويمنعون أي تجديد، ما دمنا لا ندّعي المعرفة ادّعاءً، ولا نحارب الجهل بالجهل، بل بالمعرفة العلميّة». لقد كان الدكتور نصر شديد الحماسة، وسأكتفي من هذا اللقاء بهذه الإشارات، وأنتقل إلى ما دار بيننا بشأن مقدّمة هذا الكتاب.
* * *
إنني لا أطمع في كتابة مقدّمة لكتاب أبو زيد، بل التعبير عن آرائه، مستنداً إلى مواقفه كما سمعتها منه، وإلى رسائله إليّ:
هناك ثلاث نقاط تمثّل صلب هذا الكتاب: أي التجديد، والتحريم، والتأويل.
النقطة الأولى، التجديد: وهو موضوع طالما شَغَل نصر أبو زيد المكافح، بل المناضل، من أجل مجتمع أفضل، ومن أجل التعدّد والديموقراطية والعلمانية وحريّة الرأي، وقبل كل ذلك من أجل العدالة الاجتماعية. وربما لأنه صار يزور مصر أكثر أخيراً، صارت الأوضاع في مصر تحوز اهتماماً أكبر عنده. لذلك، تحدّث عن مقدّمة للكتاب تتناول تحالف السلطة الدينيّة مع السلطة السياسيّة، التي أحكمت سيطرتها على المجتمع وأضعفته على مدى سنوات، حتى أفقدت قواه الحيّة أي أمل بالتغيير، وصارت قوى المعارضة أضعف من أن تستطيع طرح نفسها كقوى قادرة على التغيير والتجديد والإصلاح، سواء في ذلك المعارضة القومية واليسارية والعلمانية التي فقدت بريقها وما عادت قادرة على جذب الناس بأفكارها القديمة، أو المعارضة الإسلامية التي تقدّمت إلى الواجهة عند انكفاء سابقاتها، لكنها لم تضع على عاتقها خوض معركة اجتماعية سياسية اقتصادية لتحديث السلطة والسياسة. فهذه المعارضة تريد السلطة فقط، وترى أن الشعارت المغلّفة بغلاف ديني هي السبيل للوصول إلى السلطة. إنها تصارع، حين تصارع، السلطة الموجودة في سبيل سلطتها. فطريق مرضاة الله التي توهم بها الطيّبين من الناس، هي طريق الآخرة لا طريق الحياة. وهذه المعارضة التي ترفع شعارات إسلامية على يسار المؤسسة الدينية الرسمية، ترى أن معركتها مع العلمانيين أو التنويريين لها الأولوية.
السلطة الدينية ترى أنّ كل نقد لخطابها يندرج في خانة الخطر على المجتمع والتهجّم على الدين، وهي أيضاً ترى في التحديث خطراً عليها وعلى وجودها، وترى في الديموقراطيّة بضاعة غربيّة تهدّد الإسلام والمسلمين. والسلطة الدينية، أيضاً، تخلّت عن أفكار التحرر الوطني وعن فلسطين، إلا في الخطب المنبريّة التي لا تسمن ولا تغني، بل صارت تتحدّث عن المقاومة في فلسطين أو لبنان كمجموعات من المغامرين الذين تديرهم قوى من الخارج! هذه سلطات أمسكت برقاب الناس، وطوّعت المجتمع، ولن تسمح بأي تجديد.
أما النقطة الثانية: التحريم. فقد كان نصر أبو زيد يقول إنه كلما ضَعُف المجتمع وقلّت حيويّته، توسّعت دوائر التكفير والتحريم، والعكس صحيح. والتحريم يطال أول ما يطال الإبداع. إنه يهاجم الفنون على أنواعها، ولا يلتفت إلى قيمة تلك الفنون في إظهار حضارة أي شعب، مع أن مصر نموذج لأهميّة الفنون ودورها في الحضارة.
ويركّز نصر على رمزَيْن من رموز الإسلام، هما عبد القادر الجرجاني الذي، عبر الصور الفنيّة والجمالية للقرآن، عبّر عن الإعجاز، وسيّد قطب الذي حين يتناول الصورة الفنيّة في القرآن يتحدث عن التصوير والمخيّلة واللوحة والتصوير الفنّي.
النقطة الثالثة: التأويل، وقد تناول الدكتور نصر هذا الموضوع في معظم كتبه، وهو هنا يتساءل كيف أن القرآن، الكتاب الأعظم في الثقافة العربيّة، يُتعامل معه بمنطق يضيّق على المؤمنين به حياتهم. فيصبح التأويل عملاً مرذولاً في الخطاب الديني المعاصر، فيما التأويل يعني فتح الباب مشرعاً أمام المؤمنين لفهم النص


كان طموحه إنشاء مؤسّسة علميّة للدراسات القرآنية

القرآني خارج إطار الوصفة التي يردّدها كل يوم فقهاء السلطة الدينيّة. وهذا يفتح الباب للعلاقة بين المؤمن وربّه من دون المرور الإجباري بتفسيرات الفقهاء الرسمّيين وتأويلاتهم. وكلما كان الطريق بين المؤمن وربّه مشرعاً، ازداد المؤمن إيماناً، ولكنه إيمان مختلف عن إيمان غيره. إيمان نابع من ذاته من رؤيته، ومن أفكاره. إيمان حرّ. إيمان قد يسلك مسلك المعتزلة، وقد يسلك مسلك الأشعريّة. إيمان قد يسلك مسلك ابن تيميّة، وقد يسلك مسلك ابن عربي. إن اختلاف التأويلات إقرار بحق الاختلاف، وإقرار بتعدّد وجهات النّظر، وإقرار بحقّ المؤمن في أن يكون قلبه وعقله دليليه إلى الإيمان الحقّ.
إن الحق في اختلاف التأويلات هو طريق إلى العلم. إنّه استخدام آلة المجاز لفهم ما يشقّ فهمه. إنه طريق العلم والعلماء لفهم آليات اللغة القرآنية ومعانيها. إنه طريق الاستفادة من المنجزات العلمية واللغويّة والمعرفيّة لجعل القرآن معاصراً وحيّاً، يؤدي في حياة المؤمنين دوراً كان يؤديه على مدى القرون الأولى.
ممّ يخافون؟ هل يخافون من الوقوع في الخطأ؟ كلا. إنهم يخافون من أن تصبح المعرفة الدينيّة غير محصورة في الفقهاء. يخافون من وجود من يعارضهم الرأي فيشاركهم في ما يدّعونه من معرفة محصورة فيهم. يخافون من هدم سلطتهم التي يؤكدون كل يوم أنها مستمدّة من أحكام الله ليجعلوا منها سلطة مؤبّدة. إن كل سلطة تؤَبَّدُ تصبح الإعاقة الأسوأ في تاريخ أي مجتمع. ولا بدّ من قوّة جديدة فتيّة تحمل أفكاراً مختلفة تحلّ محلّ هذه السلطة، وإلا استمر الجمود، بل الانحدار، الذي نعيشه.


* ناشر أبو زيد وصديقه، صاحب «المركز الثقافي العربي»