«بريشوس» الخارجة من قلب الجحيم



عماد خشّان
من يرغب بالحصول على صورة واقعية عن نيويورك الثمانينيات، فسيبدو له فيلم Precious كأنّه مصنوع تحت الطلب. شريط الأميركي لي دانيلز، شغل الصحافة في الولايات المتحدة والعالم، منذ عرضه ضمن تظاهرة نظرة خاصّة في «مهرجان كان» 2009. منذ ذلك الحين، حاز سبعين جائزة، منها أوسكار أفضل ممثلة مساعدة لمونيك وأوسكار أفضل سيناريو مقتبس لجفري فلتشر.
Precious المأخوذ عن رواية Push (1996) للكاتبة الأميركيّة سافير، يحكي قصّة كلاريس بريشوس جونز (غابوري سيديبي). ابنة السادسة عشرة لا تتمتع بأي ميزة قد تشفع لها في مجتمع عنصري مهووس بالثروة والمظاهر. فهي إلى جانب كونها فقيرة وبدينة، سوداء تعيش في هارلم جنّة الكوكايين في نيويورك خلال الثمانينيات. وهي قبل كلّ شيء آخر... امرأة.
يأخذنا الشريط إلى جحيم بريشوس ومثيلاتها. والدتها ماري (مونيك) عاطلة من العمل، تقضي يومها أمام التلفزيون، وتعيش على المساعدات الحكومية مع صديقها والد بريشوس. هذا الأخير لم يتورّع عن اغتصاب ابنته مراراً. هكذا، صارت المراهقة التعيسة أماً لطفلة تعاني من متلازمة داون، قبل أن تحمل بطفل آخر.
وسط كل ذلك، لا تجد الشابة السوداء منفذاً إلا في عالم الخيال. تنظر إلى المرآة فترى نفسها حسناء شقراء. تمضي ساعات وهي تحلم بأن تكون نجمة سينما، بعيداً عن ذلك السرير الذي يغتصبها فيه والدها. أمّا أمها فتراقب ما يحصل من دون أن تتدخل خوفاً من غضب صديقها، ثمّ تنتقم من ابنتها عبر معاملتها بطريقة مهينة وقاسية لفظياً وجسدياً. وسط هذه الدوامة، يأخذ سلوك بريشوس طابعاً عدوانياً يودي بها إلى مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصّة. تجد هناك فتيات فقيرات مثلها، وآتيات مثلها أيضاً من معاناة الأميركيين الأفارقة والمهاجرين غير الشعريين.
هنا، تفتح معلّمتها بلو راين (بولا باتون) أمامها أفقاً رحباً، فتتعلم بريشوس القراءة وتبدأ بالتفكير بإمكان الخلاص. عند وضعها طفلها الثاني، تحاول أمّها قتلها وقتل طفلها، فتلجأ بريشوس إلى مدرِّستها. في مكتب المساعدات الاجتماعية تلتقي بالسيّدة وايس (ماريا كاري) المسؤولة عن ملفها. هناك، تودّع أمّها للمرّة الأخيرة قبل أن تحمل طفليها وتمضي في زحام نيويورك وثلوجها. يقع العمل في إطار الأفلام الملهمة التي يعشقها المشاهد الأميركي. عادة ينجز هذا النوع من الأفلام للاستهلاك التلفزيوني، لكنَّه بدأ يجد طريقه إلى صالات السينما.
الإعلاميّة الشهيرة أوبرا وينفري، كانت إحدى الجهات المنتجة لـ«بريشوس». وينفري أدّت في بداياتها دوراً يحكي معاناة الأميركيات من أصول أفريقيّة في شريط ستيفن سبيلبرغ


تدور الأحداث في هارلم «جنّة الكوكايين» خلال الثمانينيات

الشهير «اللون الأرجواني» (1985) المأخوذ عن رواية أليس ولكر. مأساة بريشوس ليست إلا نسخة مختلفة من مأساة بطلات «اللون الأرجواني». وهي أيضاً نسخة من حياة مشاهدين يتابعون برنامج أوبرا بشغف. لعلّ أجمل ما في الشريط هو أكثر ما فيه قتامة. إنّه نقله أجواء هارلم أواخر الثمانينيات، حين كان الحي الشهير مسرحاً للجريمة. ذلك قبل أن يتحوّل إلى حي راقٍ يتنافس الأثرياء على السكن فيه، ويختاره بيل كلينتون مقراً لمكتبه. يمكن أن يكون الشريط وثيقة بيد شريحة كبيرة من الشعب الأميركي، تلوم الحكومة على نظام المساعدات الاجتماعيّة الذي يضطرها إلى دفع المزيد من الضرائب. أموال دافعي الضرائب هؤلاء، تذهب لتغطية نفقات المساعدات الاجتماعيّة التي يستفيد منها أناس مثل والدة بريشوس.
هذا النقاش القديم في الولايات المتحدة، يزداد حدة مع كل موسم انتخابي، إذ يقف الديموقراطيون مع زيادة الضرائب بهدف زيادة الخدمات، فيما يتبنّى الجمهوريون تقليص الضرائب وقطع الخدمات عن المحتاجين بحجة أنهم كسالى لا يريدون العمل. هكذا، ينقسم الأميركيون بين داعمين لمساعدة الحكومة أفراداً مثل بريشوس، وآخرين يعتقدون أنّ على حكومتهم الاهتمام فقط بقضايا الدفاع والسياسية الخارجيّة.


«سينما 6 صوفيل» (328806/01)، «بلانيت أبراج» (292192/01)، «بلانيت الزوق» (221363/09)