Strong>الاستعمار الجديد أيضاً وأيضاً على الشاشة

المخرج البولوني الذي ما زال يخضع لتنكيل القضاء الأميركي، يعود بقصّة تشويق تدور في مناخ حرب العراق وأفغانستان. «الكاتب الشبح» فيلم قاتم، من أجمل ما قدّمه على امتداد مسيرته الحافلة، يسخر من طوني بلير الخادم الأمين لجورج بوش وسياساته الاستعماريّة. حاليّاً في بيروت...

نيويورك ــ عماد خشّان
بعد خمس سنوات من الغياب منذ «أوليفر تويست» (2005)، يعود رومان بولانسكي في شريط وصف بأحد أجمل الأعمال التي قدّمها. «الكاتب الشبح» مقتبس عن رواية للكاتب والصحافي البريطاني روبرت هاريس بعنوان «الشبح»، وهي تنتمي إلى «الرواية المقنعة» Roman à Clef، إذ تروي قصصاً حقيقية ووقائع فعلية لكن بأسلوب مقنّع.
و«الكاتب الشبح» اسم يُطلق على الشخص الذي يسخّر ريشته في خدمة شخصية معروفة، فيكتب لها نصّاً (تقرير، خطاب، رواية، سيرة، مذكرات...) توقّعه باسمها من دون أن تكون بذلت أي جهد في ذلك. في فيلم بولانسكي، الكاتب الشبح هو إيوان ماكغريغر الذي يصبح الكاتب الشبح لرئيس الوزراء البريطاني السابق آدم لانغ (بيرس بروسنان). هذا الأخير ليس سوى قناع لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. إذاً، نحن هنا أمام فيلم غير حربي، لكنّه يدور في أجواء حرب العراق وأفغانستان. وهو أقرب إلى أفلام التشويق والأعمال البوليسية.

كآبة المكان والمطر يمنحان الفيلم نكهة الأبيض والأسود
يبدأ The Ghost Writer بجثة تتقاذفها الأمواج على الشاطئ. الجثة هي للكاتب الشبح السابق الذي رافق آدم لانغ في جزيرة مارثاز فينيارد في ولاية ماساتشوستس، حيث يقيم منذ فقد منصبه في بريطانيا. وقد صُوِّر الفيلم في ألمانيا بسبب تعذّر دخول بولانسكي إلى الولايات المتحدة، لأنه مطلوب بتهمة التحرّش بقاصر التي تلاحقه منذ 33 سنة، علماً بأنّ وكالات الأنباء نقلت أمس إمكان ترحيل السينمائي الفرنسي ـــــ البولوني من سويسرا إلى الولايات المتحدة حيث سيخضع للمحاكمة.
صوّر بولانسكي فيلمه في مناخات قاتمة، إذ نادراً ما يتوقف المطر أو تنقشع الغيوم. الجو داكن وغامض، والأماكن ـــــ مسرح الأحداث ـــــ شبه خالية. في تلك المنطقة المعزولة، يعيش رئيس الوزراء البريطاني مع زوجته روث (أوليفيا ويليامز) وسكرتيرته اميليا (كيم كاترال) وحرّاسه.
إيوان ماكغريغر هو «الكاتب الشبح» الجديد، ومهمّته أن يكمل مذكرات لانغ. وسرعان ما يجد الأخير نفسه في قلب العاصفة، بعد الكشف عن معلومات تفيد بأنّه سمح بتسليم معتقلين باكستانيين يحملون الجنسية البريطانية إلى الاستخبارات الأميركية، وأنّ أحد هؤلاء مات تحت التعذيب. يجد لانغ نفسه مطلوباً أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وما إن ينتشر الخبر، حتى تتجمّع الحشود الغاضبة أمام منزل لانغ في الجزيرة، وبينها أب جندي بريطاني قتل في إحدى حروب لانغ.
زوجة لانغ تنصحه بالعودة إلى لندن لمواجهة التهم، لكنّه يختار الذهاب إلى واشنطن ومقابلة وزيرة الخارجية التي تُذكّر بكوندو ليزا رايس. في تلك الأثناء، يخرج الكاتب الشبح محاولاً استكشاف المكان الذي مات فيه الشخص الذي كان يعمل قبله في خدمة لانغ. يلتقي عجوزاً يخبره أن إحدى الجارات شاهدت أضواء مشاعل كهربائية في هذا المكان، ليلة موت الرجل، لكنّها دخلت في غيبوبة منذ أخبرت الشرطة بذلك. هكذا يشكّ بطلنا في أن زميله الأسبق لم يمت منتحراً، أو غرقاً، كما استنتجت الشرطة. ثم يبدأ بالبحث عن أسباب مقتله، وينجح في الاتصال بأحد الوزراء السابقين، روبرت رايكارت. وهذا الأخير كان قد خسر منصبه، لعدم موافقته على سياسات لانغ التي لم تكن إلا نسخة عن السياسة الأميركية... حتى إنّ لانغ نفسه صار الكاتب الشبح للرئيس الأميركي، إذ كان أكثر فصاحةً منه في التعبير عن السياسات الأميركيةأجمل ما في الفيلم حرفيّته. إنّه فيلم هيتشكوكي من الطراز الممتاز، من حيث التصوير وزوايا الكاميرا والموسيقى التصويرية. كآبة المكان والمطر المتواصل يمنحان الفيلم نكهة الأبيض والأسود، وشخصياته تتحرّك في عالم قاتم. العنصر الهيتشكوكي ينتقل أيضاً إلى الحوار الذي يتّسم بسخرية لاذعة على الطريقة البريطانية، وبطابعه شبه الكوميدي. ويساعد في ذلك أداء إيوان ماكغريغر الذي كان يكتب عن شخصيات ثانوية، فإذا به يجد نفسه في خدمة أقوى رجل سابق في بريطانيا، وفي فترة تُعدّ الأكثر حرجاً في تاريخ العالم. إلا أنّ «الكاتب الشبح» تماماً مثل «المنطقة الخضراء»، يحاول التصدّي لقضايا كبيرة بأسلوب بوليسي تشويقي. وربما هذا عائد إلى الرغبة في استقطاب جمهور أميركي واسع، من شأنه أن يُعرض عن الأفلام الجدية.
هكذا، تعود حروب بوش وبلير مجدداً إلى الشاشة، هذه المرة في قالب تشويقي، رمزي، مقنّع. رغم بعض الثغر في السيناريو، تظل الحبكة معقدة ومشغولة، وأفضل من أكثر الأفلام الأميركية، وخصوصاً على أبواب موسم الصيف الذي يشهد غزوة الأبطال الخارقين والقصص الخرقاء. هذه الأفلام تعرض على عشرات الشاشات، في كل المدن الأميركية، فيما شريط مثل «الكاتب الشبح» يعرض في صالة «هامشية» في مدينة نيويورك. وهذا لا يخبرنا عن مستوى «الكاتب الشبح» بقدر ما يخبرنا عن حال المشاهد الأميركي اليوم في البلد الذي صنع السينما.

The ghost writer: «إسباس» (09/212516)، «أمبير غالاكسي» (01/544051)، «غراند لاس ساليناس» (06/540970)، «غراند سينما ABC» (01/209109)، «غراند كونكورد» (01/343143)