صوفي بارت في مملكة الأحلام (الخائبة)يذكّر شريط Cold Souls الذي تعرضه «متروبوليس أمبير صوفيل» بفيلم اللبناني عمر نعيم «المونتاج النهائي» الذي ينطلق من فكرة خلّاقة، ثم ينتهي بطريقة عادية

«أرواح باردة» (2009) باكورة صوفي بارت. الفيلم مستوحى من حلم راود السينمائية الفرنسية التي رأت في منامها مجموعة أشخاص يجلسون في مكان، بينهم وودي ألن، وكلّ منهم يحمل صندوقاً، وكل صندوق فيه روح حامله. أما المكان، فهو عيادة لفحص الأرواح. وعندما يحين دور وودي ألن، يفتح صندوقه، فيكتشف غاضباً أنّ روحه ما هي إلا حبّة حمّص. حين استيقظت المخرجة، دوّنت الحلم وحوّلته إلى سيناريو Cold Souls.
يبدأ الشريط بالممثّل بول جياماتي وهو يتمرّن على دور فانيا في مسرحية «العم فانيا» لتشيخوف. يعيد الممثّل نصّه مراراً، إلا أنّه لا يشعر بالرضى عن أدائه. عندها، ينصحه وكيله بزيارة عيادة متخصّصة بسحب الأرواح، وحفظها في مستودع. يأخذ بول بنصيحة وكيله، وتسحب العيادة روحه التي هي حبة حمص وتحفظ في مرطبان. وكان بول ينوي استعادة روحه بعد أن ينتهي من مسرحية «العم فانيا». إلا أنّ خطته تفشل حين يجد أنّ أداءه لم يتحسّن. هكذا يعود إلى العيادة ويستأجر روح شاعر روسي. عندها فقط يتحسّن أداؤه. إلا أنّ زوجته كلاير (اميلي واتسون)، تلاحظ أنّه صار حزيناً كالشاعر الذي استعار روحه. وحين يقرر بول استعادة روحه الأصلية، يكتشف أنّها صارت في سان بطرسبورغ، بعدما استعارتها سفيتا (كاثرين وينيك) وهي ممثلة روسية رديئة.
وفي قصة موازية، نشاهد الروسية نينا (دينا كورزون) تهرِّب الأرواح من بلد القياصرة إلى الولايات المتحدة، داخل جسمها. وفي كل مرة، تبقى آثار تلك الروح داخلها. يسافر بول إلى روسيا بحثاً عن روحه، وهناك، يشاهد الناس يبيعون أرواحهم.
«أرواح باردة» دليل على أنّ هوليوود ما زالت مختبراً للأفكار الجديدة والخلّاقة في السينما. لكنّها في الوقت نفسه، كعادتها، مقبرة تلك الأفكار التي تبدأ قوية وتنتهي بطريقة عادية أو مخيّبة كما في «أرواح باردة». ليس واضحاً في الشريط ما إذا كان الضعف يكمن في الكتابة، أو في الاستوديو الذي يأتي دوماً ليلجم الفيلم فنياً بهدف جعله تجارياً يدرّ الأرباح، كأنّ هناك تضارباً أو تناقضاً بين القيمة الفنية والنجاح التجاري. كثيراً ما نشاهد أفلاماً فكرتها ممتازة، لكنها غير ناضجة. كأن الكاتب أو المخرج، وهما الشخص نفسه في حالة «أرواح باردة»، لم يأخذ وقته ليطوِّر العمل بما يحافظ على مستواه حتى النهاية. هكذا، يبدأ الشريط بفكرة مبتكرة، وقصة تدفع إلى التفكير في عمل يراوح بين الواقع والخيال العلمي، فينتهي به الأمر نهاية ضعيفة للغاية. وكعادة أفلام هوليوود، جاء الإخراج والتصوير والتمثيل على مستوى عال، وأفسحت القصة مجالاً للخروج بفيلم ممتاز... إلا أنّ تطوّر الحبكة جاء مخيّباً للآمال.
ويذكِّر هذا الشريط بفيلم آخر تنطبق عليه المواصفات نفسها. إنّه «المونتاج النهائي» (٢٠٠٤) الذي حمل توقيع اللبناني عمر نعيم. The Final Cut يندرج أيضاً ضمن أفلام الواقع والخيال العلمي، ويعالج مسألة مهمّة ـــــ وخصوصاً بالنسبة إلى الشعب اللبناني بعد الحرب ـــــ ألا وهي الذاكرة الفردية، وبالتالي الذاكرة الجماعية. يحكي ذلك من خلال قصة مونتير يقوم بـ«منتجة» ذكريات الموتى التي جُمعت في شريحة إلكترونية مزروعة في أدمغتهم. ويصير للمونتير الحرية في قطع ما يريد من تلك الذكريات. لكن سرعان ما تتطور الحبكة إلى حكاية شبه بوليسية، عن شخص يحاول الحصول على ذكريات أحد الموتى ولو عبر سرقتها. وهناك كالعادة الفتاة التي يحبها بطل الفيلم، ومَشاهد المواجهة والقتل التي لا بدّ منها... هكذا يضيع الشريط في الحبكة الهوليودية التقليدية. وبعدما بدأ بفكرة ترتقي بالمشاهد فكراً وتشويقاً، ينتهي نهايةً تقليدية تترك نوعاً من الشعور بعدم الاكتمال.
مع ذلك، يستحق «أرواح باردة» المشاهدة، ومثله فيلم عمر نعيم، فكلّ منهما يقوم على فكرة خلّاقة وأداء رائع. نشير على الخصوص إلى بول جياماتي الذي قدّم هنا أداءً يمزج بين القلق والحيرة على طريقة وودي ألن... لكن من دون توتّر.
عماد...

Cold Souls : «متروبوليس/ أمبير/ صوفيل» ـــــ للاستعلام: 01/204080