يبدأ مساء اليوم عرض المسرحية التي قدّمها المخرج العراقي قبل سنتين. الاستعادة تكتسب راهنيّتها بسبب الأوضاع المأساوية التي ما زال يعيشها العراق



بيسان طي
هذا المساء تنطلق سلسلة جديدة من عروض«حمام بغدادي» على خشبة «بابل» في بيروت. مسرحية جواد الأسدي هذه، كانت قد عُرضت في العاصمة اللبنانية قبل نحو سنتين لأربعة أيام فقط. العنوان نفسه يحمل تأويلات كثيرة، إنّه الحمام بشكله الحميمي، فسحة الكلام غير المباح. لكنّ العبارة تحيلنا أيضاً إلى حمام الدم المفتوح في العراق منذ بداية الاحتلال الأميركي لبلاد ما بين النهرين عام 2003.
العمل الذي قُدِّم للمرة الأولى أواخر عام 2005، لم يشِخ. الأوضاع السياسية المأساوية في العراق جعلته يحافظ على راهنيته. تحكي المسرحية الحالة العراقية تحت الاحتلال، «احتلال لجسد اسمه العراق، لنفوس ناس، للإرث العراقي كله» يقول الأسدي. الراهنية لا تنعكس على الحالة العراقية فقط، بل على «المدينة العربية المسكونة بالاحتلالات».
في «الحمام البغدادي» شقيقان مجيد وحميد، شخصيتان هامشيتان، يعمل كلاهما سائق باص، كبيرهما مع الاحتلال الأميركي، إذ يرى فيه مصلحة شخصية، فيما الشقيق الأصغر يرفضه لأنّه يرى فيه احتلالاً وخسارة لرزقه.
في الحمام، يصير الكلام الحميم مسموحاً، المكاشفة فيها كلام سياسي وعائلي واجتماعي، وكشفٌ للنزاع الطائفي «الذي أظهره الاحتلال الأميركي بقوة وكان النظام العراقي القديم قد بدأ بالتسبب به». كما يكشف العرض ـــــ أو الهمس المُباح في الحمام ـــــ أنواعاً مختلفة من القهر والتسلط، عنف الاحتلال على العراق، عنف الأخ الأكبر على الأصغر، عنف المجتمع ضد السائقين...
إنها مسرحية العوالم المتعددة، حلقاتٌ متصلة تحمل أسماءً من حياة جواد الأسدي نفسه، «بابل» (المسرح) وبيروت (المضيفة) وبغداد (مدينة العرض). وهي أيضاً مسرحية البوح والمكاشفة كما أسلفنا، حيث المكاشفة تكشف النزاع السيكولوجي، وتشرح ألم العراقيين في الحصول على قوتهم اليومي متنقلين بين العبوات والمتفجرات وأرتال دبابات الاحتلال والقصف الوحشي، والفقر.
يعتمد العمل على مفردات العنف وعلى القسوة الداخلية. من هنا، يسهل فهم الإحالات إلى «مسرح القسوة»، مسرح أنتونان آرتو. لكن «فكرة القسوة تأتي من قسوة العالم» بالنسبة إلى الأسدي. على أي حال، نقرأ في كتابه «المسرح جنّتي» (دار الآداب) كيف يرى المخرج المسرحي أنّ مهنة السائق في العراق «تحوّلت إلى حالة انتحار حقيقية، ويومية»، ونقرأ أيضاً أن شخصيتي العمل محكومتان بجوع أبدي إلى الطمأنينة. وإذا أردنا أن نمعن البحث في مفردات العمل التي تعكس القسوة، نذكر أنّ «الحمام البغدادي يتحوّل في فترة الاحتلال الأميركي إلى مكان يقصده قطّاع الطرق، وفقراء بغداد، وبعض المشردين الذين يجدون في الحمام ملاذاً. ويبدو أنّه في ساعة المداهمات والمناوشات بين الجنود والدبابات والمسلّحين، يتحوّل الحمام إلى مكان معرّض إلى الاقتحام والانتهاك».
راهنية العرض لا تنزع عنه البعد الذي يسكن عوالم الأسدي المسرحية الممتدة إلى التاريخ العاشورائي. المخرج نفسه يقول إنّ في كل أعماله انعكاسات واستحضارات لاحتفالات عاشورائية، و«حمام بغدادي» ينتمي إلى عروضه التي تتضمن ذلك الشدّ الداخلي إلى «التراجيديا ذات الينبوع الكربلائي. أنا أحاول أن أزيح الجانب البكائي لأنني أرى أنّ الشخصية للمستقبل، شخصية ميثولوجية يجب أن تُعالج فكرياً وجمالياً».
ابتداءً من هذا المساء، سيكون الجمهور في العاصمة اللبنانية على موعد مع عمل لاقى نجاحاً كبيراً، منذ بدأ عرضه في دمشق، بعدما تنقلت المسرحية بين عواصم عربية مختلفة وعُرضت في إيرلندا، ونال بطلاها الممثلان السوريان نضال سيجري وفايز قزق جائزة التمثيل في مهرجان القاهرة الدولي الثامن عشر للمسرح التجريبي (2008).

حتى 14 شباط (فبراير) المقبل ــــ «مسرح بابل» (الحمرا) ــ 01/744033