حتى الأمس القريب، كان الرقص المعاصر في لبنان يقتصر على عمر راجح بشكل أساسي، مع استثناءات قليلة أخرى. وها هي نانسي نعّوس تدلف إلى عالم الـ«دانزتياتر» مع رفاقها من الباب العريض. قبل أيّام في «مسرح دوّار الشمس» (بيروت) أعلنت هذه الولادة ــــ المؤجّلة منذ أشهر ــــ مع تقديم عمل بعنوان «لحظة تلاشي» الذي يحمل إلى ساحة الرقص في العالم العربي نفَساً جديداً، ويصلها بأكثر التجارب نضجاً واحترافيّة في أوروبا. شاركت نانسي نعوس في أكثر من تجربة


الأرجح الولادة الفعليّة لهذه الراقصة اللبنانيّة الشابة التي تفرض فجأة حضورها بكتابة كوريغرافيّة متقنة ومضبوطة، وبعمل متعدد العناصر والوسائط يوظّف الفيديو بديناميّة تمنح العرض كثافة شعوريّة، وعمقاً بصريّاً، وامتداداً في الذاكرة الجماعيّة المثخنة بالحروب (تجهيز دافيد ماتياس). لا بدّ أيضاً من التوقف عند الاستعمال الديناميكي للفضاء، المفصّل بالضوء (هاغوب دير غوغاسيان) والمقطّع بالحركة والجمود، بالسرعة والبطء. وعند أداء الراقصين الستّة (كازومي فوشيغامي، داليا نعوس، راينر ريمونديار، بشارة عطا الله، ستيفن شيمبس، نانسي نعوس)، وعند موسيقى وائل قديح المركّبة التي تبدو، أساساً، نسغ الرؤيا وعمودها الفقري ومادتها الأولى.
هناك أكثر من مستوى للحكاية. العرض بدأ قبل دخولنا إلى الصالة، على هامش العمل الأساسي الذي يدور في فلك حرب تموز، أو بالأحرى يحاول رصد انعكاساتها على الإحساس والوجدان والجسد والسلوك... تطالعنا، والصالة مضاءة، مذكّرات بصريّة على شاشات فيديو متعددة، موزعة على الخشبة. إنّها شهادات فنّاني الفرقة تتكرّر وتستعاد، مع تفاوت متعمّد بين الصوت والصورة، حول المغامرة التي عاشوها، إذ دهمتهم أحداث أيّار الأسود ٢٠٠٨، عشيّة موعد تقديم «لحظة تلاشي» في الطيونة... غير أن بيروت ـــــ يقول «بروشور» العرض الحالي ـــــ كانت يومذاك «على موعد مع عرض من نوع آخر...».
اليوم بات العمل محمّلاً بتلك التجربة الإضافيّة ــــ هو الذي يشتغل على الذاكرة المثخنة والحيرة والذهول وأشكال القطيعة التي تلي العنف (العدوان الإسرائيلي) ــــ فأدخلها في سياقه بعداً رابعاً إذا جاز التعبير، يزيد من حدّة الخطاب الجمالي. ثم تنطلق المسرحيّة الراقصة التي تشتغل على تداعيات الحرب والدمار والعنف، وانعكاسها على لغة الأجساد والأحاسيس والمشاعر، والنظرة إلى العالم الخارجي.
«البرولوغ» (مقدّمة)، يبدأ مع راقصتين تتخبطان في محاولة متواصلة للنهوض... ثم ترتميان أرضاً من جديد، فالسقطة دائماً بالمرصاد. راقصتان فقط، في صراع مع الجاذبيّة، كأنّهما أفلتتا من قبيلة أفريقيّة في الظلام الذي يترك لنا أن نرى أحمر الكشكش (ملابس بسام عانوتي). بعدها سيشغل الراقصون الستة الخشبة بشكل متواصل، بلباسهم الأسود الطقوسي والجنائزي الذي يحيل ربّما إلى السحر (الراقصات الثلاث كأنّهن أحياناً الساحرات الهاربات من «ماكبث» شكسبير).
عنوان العرض بالفرنسيّة يحمل أكثر من معنى السقوط (السقطات) Instant de Chutes، والرؤيا الكوريغرافيّة تقوم على تلك المواجهة بين العمودي (النهوض) والأفقي (السقوط). ومن هنا يستمد العمل قوّته، إذ يركّز بجرأة على عري الأجساد المغلّفة بالأسود، وحسّيّتها وهي تتخبّط في منطقة انعدام التوازن (إيروس ضدّ تاناتوس؟ الفرد ضدّ قوانين الجماعة؟)... وتبرع نانسي نعوس في رسم تحرّكات المجموعة على إيقاع وائل قديح، وأنغامه الإلكترونيّة، وشحناته الأبوكاليبتيّة التي تليق بنهاية العالم.
هذه الطقوس الوثنية التي تستعيد الموت، تحييها أجساد مفردة أو مجتمعة، أو موزعة على ثلاثة أزواج، بشاعريّة هي مزيج من الجنائزيّة والشبقيّة والتمرّد. أجساد هائمة محاطة بشاشات فيديو (جدران العمق والجدار الجانبي الأيسر) تعرض صور الخراب وانهيار العمارات التي تزداد وضوحاً مع تقدّم الوقت... في أكثر من مشهد استعدنا عالم الفرنسي جان كلود غالوتا. ذلك أن فرقة «٤١٢٠ جسداً» المختلطة التي تعمل بين بيروت وباريس (الرقم هو المسافة بين المدينتين)، تندرج فعلاً في سياق جمالي ومدرسة فنيّة، تبدو جديرة بالانتماء إليها بكل المعايير الفنية والتقنيّة والفكريّة. لقد ربح الرقص المعاصر في العالم العربي جولة حاسمة!

يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]



للاستعلام عن الفرقة وعروضها:
[email protected]