شاكر لعيبي

أحد الأسئلة التي يمكن أن يثيرها النص الشكسبيري، هو سبب ميل الجمهور، بل تعاطفه (إذا لم نتكلم عن أنفسنا من حيث لا ندري)، مع شخصيات ليست بالرفعة الأخلاقية والإنسانية التي قد يأملها بعضنا. ماكبث قتل ضيفه بتحريض من زوجته لينال العرش. رغم ذلك، نجد أنفسنا مصطفين لاشعورياً معه حتى النهاية. قد تأخذنا الرعشة عند التفكير بأنّنا نصطف بالأحرى مع قاتل مهموم بحيازة السلطة وشهواتها، لكنّنا سنمضي بشغف حتى النهاية للتعرّف إلى مصيره (مصيرنا؟). ألم نشغف، بالطريقة نفسها، ببعض شخصيات دوستويفسكي المزعجة، المقامرة، السكيرة، الصعبة المراس، بل المنحطة؟
هاملت، من جهته، ليس سوى الوجه الآخر من تدهور داخلي ما لدى ماكبث. لكننا نعشق هذا البطل الشكسبيري ونهيم بشخصه الأدبي، ناسين الجوهر المشكوك به الذي يحرّك نطفة الشر في روحه. كيف نحبّ إذاً الشخصيات الأدبية الشريرة؟ هل هناك في ذواتنا، شيء من الشر المطمور تحت ركام من المزاعم الرفيعة، والمعارف المُنتقاة، والثقافات التي لا تفعل سوى التخفيف منه؟ أم إن هناك، في أعمال شكسبير ودوستويفسكي مثلاً تحليلاً عميقاً غير مباشر لذواتنا، وإدانة لنزعة الشر الموجود فيها؟ ليس «الجميل» رديفاً دائماً «للخيِّر» كما تزعم الأفلاطونية. «أزهار الشر» البودليرية هي التجلي الأعلى لما يسميه الفيلسوف الكندي أرفيه فيشر Hervé Fischer بـ«جماليات الشرّ» المنبثقة في الأدب والفن التشكيلي الأوروبيين منذ القرن التاسع عشر. في لحظات الانزلاق الأولى، يهمس ماكبث لنفسه بأنّ «الخطاب الخارق للطبيعة لا هو بالشر ولا هو بالخير»، وهي جملة تلخّص فكرة شكسبيرية عن جدارة، مستعادة بشكل واعٍ في مجموعة الشاعر الفرنسي بعد قرنين من الزمن. ولعل الجملة المذكورة تفسّر ميلنا الملتبس الموصوف لشخصيات مثل هاملت وماكبث.
يبقى أمر واحد لا شك فيه: إنها شخصيات فيها الكثير من المتخيَّل، على أنّ فيها الكثير من الواقعي، بل التاريخي المحض كما تبرهن دراسة كينيث ميوار التي أرفقها جبرا بترجمته. من هذه الزاوية، ثمة بعد رمزي دفين في جميع الشخصيات التاريخية ذات المصائر التراجيدية. وهذا البعد هو الذي نميل إليه نحن، كي ندافع عن شجرة الخير ونعزز جذورها في أرواحنا.