ثلاث روايات مهمّة انتقلت أخيراً إلى المكتبة العربية: «ليلة التنبّؤ» للأميركي بول أوستر، و«شيطنات الطفلة الخبيثة» لماريو فارغاس يوسا و«أيام الهجران» للإيطالية إيلينا فيرانتي، اجتمعت فيها السلاسة بعمل الذهن والتأمّل العميق


شاكر لعيبي
نُقلتْ إلى العربية في الفترة الأخيرة ثلاث روايات: «ليلة التنبؤ» للأميركي بول أوستر (سلسلة “إبداعات عالمية” الكويتية ـــــ 2008 ) و«شيطنات الطفلة الخبيثة» لماريو فارغاس يوسا (دار المدى ـــــ 2007) و«أيام الهجران» للإيطالية إيلينا فيرانتي (دار شرق غرب الإيطالية ـــــ 2007). يبدو أوستر، من جهته، سيداً للبناء والحكايات المحبوكة المتداخلة. لا يغدو البناء الروائي في عمله مجرد شغل تجريدي أو عمارة مبنية عن قصد لكي تؤدي إلى متاهة روائية من أشغال الذهن، بقدر ما تشفّ عن مُمْكنٍ وعن واقع ثان حقيقي وتلقائي، مكتوب ظاهرياً بطريقة مخادِعة. وهي تكشف عن ولع بالسرد المزوّد بالمعرفة والجرأة معاً. عفوية الراوي مراوغة لأنّها عميقة، وقصدية بشكل خاص وفي المقام الأول، وإنْ لم يظهر ذلك في الرواية بشكل صارخ. إن قصةً في داخل قصةٍ وحبكة في داخل حبكةٍ أخرى ومرافِقة لها، تمنح القارئ متعة حقيقية ما دام لا يوجد فيها أثر من الافتعال. هناك حكاية تُرْوَى عن واقعٍ تصير واقعيته المباشرة أغرب من الخيال كما يُقال، من دون الذهاب إلى أيّ إفراط تخيّليّ ولا إلى تدخلاتٍ حادةٍ على حبكاته المحبوكة بطبيعتها.
في «شيطنات الطفلة الخبيثة» (ترجمة صالح علماني)، يبرهن يوسا على أنّ لمفهوم «الحكاية» والحكي معنى موازياً لمعنى السردية العميق. إنه يستطيع خلال صفحات طوال أن يحكي قصة امرأة مراوغة من أصل متواضع تحاول إخفاء هويتها الحقيقية في واقع اجتماعي يقيم أكبر الاعتبارات للمقامات الرفيعة في أميركا الجنوبية. سردٌ متواصِلٌ، مكتوبٌ بنثرٍ يبدو ظاهرياً بلا صنعة ولا تكلّف. وعلى مدى أكثر من 300 صفحة، لا نشعر معه بالملل، بل التمني بألا تنتهي روايته أبداً. إن تحوّلات هذه المرأة وأكاذيبها وفطريتها وجمالها الشيطاني والبريء في آن تمسّنا لأنها جزء منّا نحن في لحظة من اللحظات. مرة أخرى، في حُمّى السرد المستمر ذاك، لا نتلمس شيئاً من السهولة أو المجانية. إنّنا أمام حكاية لا تُملّ لأنّها مشبعة بالمعاني في كل فصل منها: تاريخ أميركا اللاتيني السياسي يختلط بالهيام بامرأة قد تبدو للقارئ لعوباً وبالنسبة إلى البطل معبودةً رغم تحوّلاتها الإنسانية غير المتوقَّعة ونزقها وألمها الذي لا يوصف في نهاية المطاف. تختلط المضاربات المالية وألاعيب الأغنياء في الرواية بساديّتهم الجنسية ورغباتهم بامتلاك كل شيء بما في ذلك النساء. نهاية الراوية أسيانة تبدو كأنها نهاية للحياة وصنو للموت العادي الذي هو من مصائرنا المحتومة.
أما رواية إيلينا فيرانتي «أيام الهجران» فتروي قصة سيدة متزوجة لديها طفل، تُصاب من دون سابق إنذار بهول هجر الزوج لها. إنّها رواية عن المرارة القصوى التي يتركها فعل الشريك في أنفسنا عندما يقرّر تركنا فجأة من أجل شخص آخر. الدوار والعصبية والتهور بادئ الأمر والأسئلة الحرجة عن ذواتنا وتقصيرنا وهيئتنا الفيزيقية التي تصير كلّها موضع شبهة بالنسبة إلينا. هناك تلميح ذكي للمغامرات البائسة التي سنقوم بها مع شخص جديد للبرهان على أنّنا ما زلنا في ألق صبواتنا وجمالنا وإمكاناتنا على غواية شريك بديل. تصل بطلة الرواية مع طفلها في لحظة من اللحظات إلى مستوى الدوار وفقدان النكهة للحياة وعدم الشعور بجسدها الذي يسقط بمرض مجهول والتغرّب عن العالم وأشيائه الصغيرة، لتظل الصبوة للحياة والانتصار إلى الواقع المستحدث هي الأقوى في النهاية. ورغم أنّ امرأة كتبت الرواية عن امرأة، لكنّ بعضنا من الرجال، ممن تعرَّض لهجر مماثل من طرف شريكه، سيجد نفسه تماماً في موضع هذه المرأة البطلة بالتفاصيل كلّها والمرارات والأسئلة النفسية والوجودية التي تعْرِضُ له في لحظة يأس وشكّ فريدة بالذات.
البطل في رواية يوسا وفيرانتي هو امرأة، أمّا المرأة في رواية أوستر فهي زوجة البطل. امرأة يوسا غامضة ولعوب ولا نعرف ما إذا كانت تكنّ حباً للبطل أو لا تفعل. أوستن يجعلنا نشك في ما إذا كانت بطلته تخفي شيئاً عن خيانة جنسية حتى نهاية العمل، بينما مشكلة بطلة فيرانتي وشخصيتها واضحتان.
أثار بعضهم ـــــ كالعادة ـــــ أسئلةً بشأن سلامة ترجمة «ليلة التنبؤ» و«أيام الهجران» ونجد فيها إفراطاً. في رواية أوستر لا أثر من التكلّف في ترجمة محمد عبد السلام هاشم، وهناك مسعى لنقل روح النص رغم إخفاقات قليلة في صياغة بعض الجمل أو الفقرات هنا وهناك، بينما في ترجمة الرواية الإيطالية فثمة بالفعل ما يُقال بدءاً من ترجمة العنوان الذي كان يجب أن يكون «أيام الهجر» مثلاً، ما لا يعني أنّنا لا نستمتع بعربية المترجمة شيرين حيدر التي سعتْ إلى تقريب الأجواء والنكهة الإيطالية لقارئها العربي.
نحصل على متعة عالية من قراءة هذه الروايات، ولعلها تقدّم درساً أساسياً: البراعة السردية ليست رديفاً للتكلف، وإنّ لغة منسابة لا تدلّ على السهولة أو التبسيط، كما أنّ بناءً مركباً وحكاية داخل الحكاية، كما في «ليلة التنبؤ» يمكن أن يكون من السلاسة بمكان ويجعل من الرواية في آن موطناً لعمل الذهن والتأمل العميق الذي يتسرب تلقائياً بين فصولها وسطورها. وهي قضايا نادراً ما لقينا مثيلها في عمل روائي عربي.