بعد «رغبات محرّمة» و«أنا هي والأخريات» (قائمة بوكر 2014)، أصدرت الروائية اللبنانية جنى فوّاز الحسن (1985) جديدها «طابق 99» (منشورات ضفاف/ دار الاختلاف) المنضوية بدورها في قائمة «بوكر» هذا العام. رواية تصفها الحسن بأنّها لا تندرج تماماً في المحاولات الروائية لقراءة الحرب اللبنانية، على الأقل في لحظة الكتابة الأولى: «لمّا بدأت بكتابة روايتي، لم أكن أفكر في الحرب.


انطلق السرد من رغبته بالتمحور حول أزمة فردية لبطل الرواية مجد، وحول المراهنة على قدرة الإنسان المجرّد من كل شيء على صنع شيء ما، أو نصر ما في حياته المحطمة. ثم في توغلي في السرد، وجدت أنني لا أستطيع معالجة أزمته الفردية خارج ظروفه الإنسانية والاجتماعية التي أدت إلى هذه الأزمة، ليتشعب السرد والبحث بعدها حول البدايات التي عاشها، ومنها عقم سؤال الهوية، والوطن، والمخيم، والمقتلة التي أدركت والدته وشعبه، وتركت في جسده نفسه آثارها وتداعياتها».
في «طابق 99»، يميل السرد إلى إلغاء الحدود بين العام والخاص، ويطلب من شخصيات الرواية أن تكون حيواتهم شفّافة تماماً، كما يُسّلط الضوء على الحزن الشاعري الذي يسكنها. ثمة أيضاً رغبة التغلب على لعنة العزلة. هذا ليس كليشيه أو تفسيراً قاصراً، بل متن وأساس لتخليص الشخصيات الرئيسية (مجد وهيلدا) من جحيمهما. ليست لعنة العزلة، لكن انتهاكها هو الذي يستحوذ على الكاتبة التي ترى أن ذلك النبذ لا يقتصر على منطقه الخاص أو العام. إنه يشمل الاثنين، العام مرآة الخاص، والخاص يعكس العام.


يميل السرد
إلى إلغاء الحدود بين العام والخاص


رواية الحسن لها مفتاحها الداخلي، وغير مفتوحة على بداية ونهاية، كما لو أنّها متروكة هكذا لمصيرها، ولقارئها الذي يسعه وضع خاتمة لها بحسب إحساسه وقراءته. ذلك أن الحسن كروائية ــ وباعترافها ــ لم تجد نهاية جاهزة: «لم أجد نهاية لروايتي، ذلك أن الحرب اللبنانية التي يُفترض أنها انتهت في الـ 91 أو 92، لم تنته في الحقيقة. القتال وحده هو الذي انتهى. لذلك روايتي مفتوحة على نهايات واحتمالات شتى. أنا شخصياً لا أعرف نهاية للأشياء، وكل شيء عندي يشكل امتداداً للذي سبقه».
في «طابق 99» نوع من المناخ الفلسفي، لكن مع تجهيز القصة بكل الوسائط الفعلية والعبثية والسردية والتأملية التي تُنير الحياة الإنسانية (الحب، الحرب)، كما تجعل الفلسفة من الرواية تركيباً ثقافياً. وعن هذه الصبغة الفلسفية، تقول الحسن إنّها توافق على ملاحظتنا في أن هذه الصبغة الفلسفية موجودة بشكل أو بآخر، ذلك أن الحسن على الصعيد الإنساني والإبداعي تميل الى طرح الأسئلة والتأمل، وبالتالي تورثُ شخصيات رواياتها هذا البعد الفلسفي.
عن مدى إفادة الحسن من روايتين سابقتين على الصعيد الفني، كما أفادتها من قراءاتها لروائيين وروائيات من أجيال مختلفة، ترى الحسن أنها لم تكن راضية عن تجربتها الروائية الأولى على الصعيد الفني تحديداً. أما في إصداريها اللاحقين، فهي بدأت تتبع معادلة أن تضع نفسها على مسافة من نصها، وترى إليه بعين الروائية والقارئة والناقدة في آن.