من أجمل العروض التي قدّمت هذا العام على خشبات مسرح بيروت «ألاقي زيك فين يا علي». يمكننا القول إن بيروت تعرّفت إلى ممثلة جميلة جداً تدعى رائدة طه من مواليد القدس التي غادرتها بعد حرب الـ ٦٧ إلى عمان ثم بيروت حيث تربت ودرست، فإلى تونس حيث عملت سكرتيرة لأبو عمار. تزوجت فعادت إلى رام الله ومنها إلى بيروت مجدداً. إنّها ابنة الشهيد علي طه، الناشطة الفلسطينية التي وصلت إلى خشبة المسرح متأخرّة.


في «مسرح بابل»، صعدت للمرة الأولى عام ٢٠١٣ لتمثل دور «صفيّة» في عرض «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني الذي أخرجته لينا أبيض. يومها، شكّلت ليلى كنفاني، ابنة كنفاني وصديقة رائدة منذ الطفولة، صلة الوصل بينها وبين لينا أبيض. في العام ذاته، قدّمت دور «لميا» في مسرحيّة «٨٠ درجة» من إخراج عليّة خالدي. وأخيراً، شاهدناها في مونودراما «ألاقي زيك فين يا علي» من كتابتها وإخراج لينا أبيض. في هذا العرض، تجلس رائدة بمفردها على كنبة في زاوية المسرح، وتقدّم لمدّة ساعة ونصف قصص طفولتها وعائلتها. قصّة ابنة علي طه الذي استشهد في العملية الفدائية لخطف طائرة «سابينا» في مطار اللدّ عام ١٩٧٢. قصّة أمها وأخواتها اللواتي تعايشن مع واقعهن الجديد. قصّة علاقتها مع ياسر عرفات، وبالأخص قصّة عمتها التي أبت إلا استعادة جثمان علي طه لدفنه، ما اضطرها لطلب جثمانه من كيسينجر نفسه. كتبت الكثير من المقالات عن المسرحية التي مُدِّدت عروضها مراراً على خشبة «بابل»، قبل أن تقدم قبل يومين في «الجامعة اللبنانية الأميركية». لسنا هنا بصدد تقديم مادة نقدية للعرض، لا بل للاحتفاء باكتشاف الممثلة رائدة طه. سيدّة جميلة ذات صوت مسرحي جميل يؤمن لها حضوراً كاريزماتياً منذ أن تطأ قدماها الخشبة. لكن فوق كلّ ذلك، فإن تلك المرأة التي لم تدرس المسرح في الصغر، و«تأخرت» للصعود إلى الخشبة، تملك بالفطرة أسرار تلك الخشبة. تأسرك رائدة في عالمها منذ اللحظة الأولى. بنضج، تسيطر على جسدها وحركتها على المسرح، فلا تقع في «جعدنة» حركيّة بل تقدم للجمهور الحركة البسيطة والكافية بلا مبالغة. تملك كلماتها وتطلقها بعفوية المستمع إلى الجمهور قبل النطق بالنص، فيأتي نصّها متماسكاً ذا إيقاع ضمني عضوي. لا تكلّف ولا تصنّع، والأهم لا كبرياء، بل دراية بالمساحة التي تحتلها على المسرح وكيفية توظيفها في طاقة تتوزع على طول مدة العرض كي لا تقدم مشاهد متفاوتة في الأداء. وفوق كل ذلك، تستعين بسلاح ابتسامتها الخفيفة متى احتاجت إلى تلطيف الأجواء. لكن فعلاً ما يميّز رائدة طه، هو قدرتها على تطويع النص مهما كان درامياً أو ميلودراميّاً واللعب به على مستويات عدّة من المعنى، فلا تسلمّه إلى الجمهور بلون واحد بل بتعقيداته وخفايا معانيه. هكذا أعادت رواية قصتها كابنة شهيد بحب لا يخلو من النقد. استطاعت أن تبكينا وتضحكنا في آن. أعادتنا إلى خامات ممثلات تونس مثل جليلة بكار، وفاطمة بن سعيدان، ورجاء بن عمّار... وعبر تأديتها لأدوار مماثلة في مسرحها، مارست فعلاً سياسياً بامتياز دفعنا إلى إعادة التفكير بعمق في القضية الفلسطينية، وطرحها على المسرح من منظار ذكي ونقدي كما فعل كنفاني وونّوس كي لا يتحول النقاش حول القضية إلى إيديولوجيا مفرّغة، بل لكي تبقى حيّة عبر النقاش والنقد.