يحتفي «مركز بيروت للفن» بستيوارت هول، المفكّر ومنظر النقد والدراسات الثقافيّة والباحث في علم الاجتماع البريطاني الكاريبي الذي رحل العام الماضي. إلى جانب كل من ريتشارد هوغارت ورايموند ويليامز، أسس هول المدرسة الفكريّة التي تعرف اليوم بالدراسات الثقافية البريطانية في برمنغهام. وكانت له مساهمة في حركة اليسار الجديد، كما كان عضواً مؤسساً لمجلة «نيو ليفت ريفيو». يستعير المعرض اسمه من مفهوم الهويّة لدى هول بوصفها «محادثات لا منتهية»، مقدماً أعمال ثلاثة فنانين: جون أكمفرا، بني سيوبيس، وزينب سديرة.


في بداية المعرض، يستقبلك عمل الفنانة الجنوب أفريقية بني سيوبيس (1953) المقسّم على أربعة فيديوهات. عندما يكتب التاريخ، هناك أحداث كبرى تُذكر مقابل تجاهل بعض اللحظات الأخرى رغم أهميّتها. يبقى التاريخ دائماً منقوصاً، وعاجزاً عن سرد الروايّة بتجرد. واقع تعيد طرحه سيوبيس عبر تجربتها الخاصة في ظل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وكتابة التاريخ الرسمي والخاص.
في الفيديو الأول «يومي الجميل» (1997)، تمزج سيوبيس أفلاماً هزليّة بمقاطع موسيقيّة ونصاً بصرياً لتروي قصتين بين أفلام والدتها التي التقطتها بكاميرا 8 ملم وقصتها عن الانتقال والهجرة. أما في الفيلمين «رسول أبيض غامض» (2010) و«السيّد يغرق» (2012) فتعالج حدثين تاريخيين: محاولتا اغتيال هندريك فرنش فيرفورد رئيس وزراء جنوب أفريقيا الأسبق، ومهندس نظام الفصل العنصري، مع فشل الأولى ونجاح الثانية. في الفيديو الأخير «قربان» (2011)، تتناول سيوبيس قصّة تجاهل التاريخ راهبة إيرلندية تدعى أيدن، قتلتها الحشود في شرق كايب أثناء «حملة التحدي» عام 1952. رغمّ أنّ أيدن كانت محبوبة ممن شاركوا في العصيان، إلا أنها قتلت منهم بالخطأ بسبب لون بشرتها البيضاء.


تقدّم الجزائرية زينب سديرة ثلاثية فيديو بعنوان «اللغة الأم»


بين الشخصي والأحداث «المهمّة» وتلك المنسيّة، تأخذنا الفنانة في رحلة من غرفة إلى أخرى، ومن شاشة إلى أخرى، معيدةً كتابة تاريخ منقوص، بلحظاته الخاصة وتلك المجيدة والأخرى المعيبة. أما الجزائرية زينب سديرة (1963) فتقدّم ثلاثية فيديو بعنوان «اللغة الأم» (2002). ولدت الفنانة في باريس من عائلة جزائرية، وتنقلت بين الجزائر، وفرنسا، وبريطانيا. على الشاشة الأولى، يجري حوار وتفاهم في فرنسا بين الفنانة باللغة الفرنسيّة ووالدتها باللغة العربيّة. على الشاشة الثانيّة، تحاور الفنانة ابنتها بالفرنسية فيما تجيب ابنتها بالإنكليزية في لندن. وعلى الشاشة الثالثة، وفي الجزائر، يتعطل الحوار بين الجدة بالعربية والحفيدة بالإنكليزية بسبب عجز أيّ منهما عن فهم لغة الآخر ليسيطر الصمت وبعض الابتسامات على الحوار مع محاولة للاستنجاد بالفنانة الواقفة خلف الكاميرا. اللغة التي تشكّل جزءاً أساسياً من الهوية تشغل الفنانة في معظم أعمالها. هنا تختصر استحالة التواصل بين الجدّة والحفيدة تاريخ التبدلات الجغرافية والثقافية التي خاضتها عائلة الفنانة، وتظهر إحدى علاماتها في تبدلّ اللهجات واللغات المعتمدة داخل العائلة الواحدة على ثلاثة أجيال.
يبقى العمل الأبرز للفنان الغاني - الإنكليزي جون أكُمفرا (1975) الموزّع على ثلاث شاشات جنباً إلى جنب تحت عنوان «المحادثة اللامنتهية» (2012). يستمدّ أكمفرا مادة فيلمه (45 د.) من مذكرات ستيوارت وأرشيفه الشخصي المتمحور حول فكر ماركس وغرامشي والنابع من مساءلة مفاهيم العرق والجندر والثقافة والاقتصاد السياسي والهويّة، ليعيد عبره على ثلاث شاشات متوازية قراءة التاريخ الشخصي، بخاصة التاريخ الأسود، ممزوجاً بالتاريخ الحديث لبريطانيا، ومنه إلى التاريخ العالمي. عمل يسائل تشكل الهوية بين تلك التي «تكون» أو «تتكوّن». عمل غني جداً، يطرح فيه أكُمفرا أسئلة مهمّة ومعاصرة حول هوية الحاضر انطلاقاً من تكّونها عبر التاريخ مقدماً مواد متشابكة بين الشاشات الثلاث أكان بصرياً أو سمعياً، مولياً للموسيقى خاصة الجاز مساحة مهمّة، لتمتزج مع النص، في دلالاتها الثقافية والتاريخية. يستعير أكُمفرا أيضاً نصوصاً لوليام بلايك، وتشارلز ديكينز، وفيرجينيا وولف. من التجهيز المعروض اليوم في «مركز بيروت للفن» الذي قدّم للمرة الأولى في متحف الـ «تايت» البريطاني، أنتج أكمفرا أيضاً فيلم «مشروع ستيوارت هول» (2013- 103د).

* «محادثات لا منتهية»: حتى 2 أيار (مايو) ــ «مركز بيروت للفن» (جسر الواطي)ـ للاستعلام: 01/397018