في فيلمه الوثائقي الجديد «كمال جنبلاط الشاهد والشهادة» (90 د)، يعيد هادي زكاك (1974) تجميع أجزاء سيرة الشهيد كمال جنبلاط (1917 - 1977). يرسم المخرج اللبناني بورتريه حميمياً ونابضاً بالحياة لشخصية ملفتة بصلابتها ومواقفها وغنى معارفها واهتماماتها، من دون أن تكون الأولوية للشق السياسي على حساب الجانب الإنساني. وبالرغم من أن الفيلم من إنتاج «رابطة أصدقاء كمال جنبلاط»، إلا أن ذلك لا يؤثر سلباً في حياديته. كأن كمال جنبلاط نفسه الذي يسرد لنا حياته في الفيلم، عبر عدد ضخم من صور الأرشيف والمقابلات المصورة التي جمعها المخرج. أما السرد، فيتولاه الممثل رفعت طربيه في المقاطع الأخرى، فيما يعيد زكاك تشكيل هذه السيرة سينمائياً، عبر الصورة بجماليتها الفنية التي يطرح عبرها تساؤلاته. مثلاً، يعيد المخرج بناء مشهد اغتيال كمال جنبلاط عبر لقطات تفصيلية.


بينما نتابع السيارة، علينا أن نتخيل كمال داخلها متوجهاً صوب النهاية. من هنا تتميّز اللغة السينمائية، فكل صورة تقترح أخرى في مخيلة المشاهد، ما يجعلها أكثر تأثيراً. هكذا يعتمد زكاك على تفاصيل غير مباشرة للإيحاء بالعنف المتخيل في ذلك المشهد. نرى بيوت العناكب في السيارة المهجورة التي اغتيل فيها كمال (يصورها المخرج في نهاية الشريط)، والأغراض الملوثة بالدم التي وجدت داخلها بعد اغتياله ولا يزال النائب وليد جنبلاط يحتفظ بها في أحد الصناديق. هذا ما يذكِّر ـــ ولو من بعيد ـــ بالفيلم الوثائقي السابق للمخرج «مارسيدس» (2011) الذي يسرد تاريخ الحرب اللبنانية من خلال سيارة المرسيدس.
أما بالنسبة إلى الصور الفوتوغرافية، وعبر الزوايا الاستثنائية التي تلتقطها الكاميرا والمؤثرات الخاصة في مقاطع أخرى، فإن زكاك ينجح في إخراجها من ثباتها وتحميلها وجهات نظر مختلفة. ورغم أنّ اللغة السينمائية هي أجمل ما في الشريط، إلا أن المخرج يأخذنا من خلال أسئلته إلى أماكن أكثر خصوصية كعلاقة وليد جنبلاط بأبيه كمال، ونظرتهما المشتركة إلى حتمية الموت الذي يبدو كأنه قدر هذه العائلة. قتل أب كمال جنبلاط عندما كان الأخير في الرابعة في العمر. ولدى سؤاله عنه في إحدى المقابلات المصورة، يجيب بتجرد يعبر عن صلابة مدهشة أو تصالح لا بد منه مع قدر لا مفر منه... قد يبدو مثل قدر لبنان نفسه. أما المشاهد في بيت وليد جنبلاط في المختارة، فتصور تحول هذا البيت وتغيره. كأنّ هذا البيت المعلق في الزمن يشبه أيضاً فكرة الوطن، كما نستوحي حين يقول وليد جنبلاط ساخراً انه يعمل منذ عشرات السنين على إصلاح هذا البيت ولم يصطلح بعد. هذا التواتر بين الماضي والحاضر هو أيضاً نقطة ارتكاز المخرج الذي ينطلق من سيرة كمال جنبلاط ليعيد إحياء حقبة باتت شبه منسية.


نرى السيارة المهجورة التي اغتيل فيها والأغراض الملوثة بالدم
ولو أن شيئاً لم يتغير إلى الأفضل على أي حال، فإنها حقبة تأسيس لبنان التي لم تكتمل بعد، فيما لا نزال حتى اليوم نحلم بالعلمانية التي تحدث عنها كمال جنبلاط. كأنما هناك أرقاً موروثاً ودفيناً تعبر عنه المشاهد المصورة في قصر المختارة، أثناء تجول وليد جنبلاط القلق بين أرجائه. يعبر من الماضي إلى الحاضر أو العكس تباعاً، وهو يتحدث عن أبيه ومعارضته للوصاية السورية على لبنان والأحداث التي تلت حادثة اغتياله وتسببت بمقتل 40 مسيحياً أثناء فورة غضب الدروز. ذلك الدم لا يزال يلاحقه حتى الآن كما يقول جنبلاط في ختام الفيلم. ومن خلال الموسيقى (تصميم إميل عوّاد) المنسجمة مع السرد الروائي، ينقل إلينا المخرج إيقاع الأرق الممزوج بالنوستالجيا. سيرة كمال جنبلاط فرصة أخرى لهادي زكاك ليلملم شتات الذاكرة اللبنانية ويعيد توثيقها في كل مرة من وجهة نظر مختلفة كما رأينا في «مارسيدس» و»درس في التاريخ» الذي ينطلق فيه من منهاج التاريخ الموحد غير المكتمل الذي يعتمد في المدارس اللبنانية ليشرح الذاكرة المتنازعة، أو «شهر عسل ٥٨» الذي يروي تحولات لبنان من خلال علاقة والديه وقصة حبهما. نقف مرة أخرى عند السؤال الذي يطرح نفسه في كل أفلام هادي زكاك: هل من الممكن أن يتحقق إجماع لبناني على جزء من تاريخ البلد، أو أن الذاكرة الموحدة قد لا تكون سوى حصيلة جمع كل وجهات النظر المتضاربة؟.