بعد عشرات الكتب والشرائط المصوّرة في عدد من الصحف («الأخبار»، و«لوريون ليترير»، و«لو موند ديبلوماتيك»...) أصدرت «دار تاميراس» (Tamyras) كتابين لمازن كرباج (1975). الأول عام 2011 بعنوان «هذه القصة تجري» مع الشرائط المصورة المترجمة التي نُشرت فوق صفحات «الأخبار» بين آب (أغسطس) 2008 وكانون الثاني (يناير) 2010. أما الكتاب الثاني، فهو «يوميات سنة ككل السنوات» الذي صدر قبل أشهر، فيما تُعرض رسومه حالياً في مكتبة «أومبر بلانش» في تولوز، وهو عبارة عن يوميات كاملة لعام 2012. يعتبر هذا الكتاب بمثابة تحدٍّ خاضه الفنان من خلال رسمه يومياً مشاهد وصل عددها الى 382 نفذت بتقنيات مختلفة (حبر وألوان مائية وفحم) «نادراً ما تدرّس في الجامعة» يقول لنا كرباج.


مقارنة بكتاب اليوميات، يطغى السرد على «هذه القصة تجري» من خلال شخصيات تظهر بانتظام ضمن هيكل سردي متناغم ومنتظم يعتاده القارئ ويعمل على اكتشافه. الأبطال ــ كما في معظم الشرائط المصورة ــ هم إما أذكياء فوق العادة أو أغبياء فوق العادة. وهنا تأخذ عملية التشبه بهم أو المحاكاة عن قصد أو من دون قصد، شكلاً من أشكال الممارسة المشتركة بين جمهور واسع في مساحة مرئية تتطابق مع ما نعيشه في يومياتنا. يقول كرباج: «الكتابة لجمهور واسع تجربة غنية بالنسبة إليّ. تتنوع كتاباتي وفقاً للخط السياسي للصحيفة التي أتعاون معها، وتتناول الجهة السياسية التي تنتمي اليها هذه الصحيفة أي قوى 8 أو 14 آذار. وهذا ما يجعل المضمون ممتعاً في تسمية الاشياء بأسمائها ووضع الاصبع على الجرح». عبر الصفحات، تتواصل السخرية والتهكّم الذاتي وتظهر الشخصيات، كما جغرافية لبنان، من دون أي اختلاط، تماماً كما هو الواقع الاجتماعي. وحده الرسام يحيل الانقسام مادةً لسخرية تأخذنا من أعماق العاصمة إلى المخيمات الفلسطينية المهمشة والمحجوبة عن الخريطة والمجتمع، الى البورجوازية البوهيمية والبورجوازية العنصرية والسطحية المنفصلة تماماً عن الواقع.


سيرة مزدوجة ينكب عليها مع والدته الفنانة لور غريب

مثلاً، نرى شخصيتين كاريكاتوريتين تمثلان نموذجاً مطابقاً لسيدتين لبنانيتين مسيحيتين تتحدثان عن «السيرلانكية» و»لونها» و»أصولها» وعن هوسهما بالتسوق. وحدها أصوات الأولاد المنبعثة من الأحياء الشعبية، أولاد لبنانيون وفلسطينيون، تحمل معها أفكاراً تعبر عن لسان حال الرسام.
أما «يوميات» مازن كرباج، فهي مستفزة ومزعجة كالعادة. بعدما عرض بعضها في جدارية بطول 17 متراً خلال «معرض الكتاب الفرنكوفوني في بيروت»، جمعت الرسوم في كتاب نتصفحه بطرق مختلفة. نرى مازن مناصراً للتجريب في الرسم والموسيقى من خلال هذا النوع من الأعمال الروائية العصية على التصنيف التي تتأرجح بين الكتابة والصورة. فهو أيضاً مؤسس مهرجان «ارتجال» للموسيقى التجريبية والمرتجلة. يختار عن قصد ورقاً عادياً للاختبار وإبراز الألوان. يخاطر في «نشر كل شي حتى الأعمال غير الناجحة». يقول: «من الممتع أن نرى كيف يمكن لرسم فاشل أن يقود الى آخر ناجح بعد أيام قليلة». يفكك الوقت في موسيقاه التجريبية، بينما تبقى يومياته مقيّدة بالوقت ومتطلباته حيث يصبح الفنان معه سجيناً، فـ «رسمة كل يوم يجب أن تنفذ».
يعتبر مازن «كتابة اليوميات مهمة عملية» خاصة بالنسبة إلى موسيقي كثير الأسفار: «أستطيع الرسم في كل مكان، على متن الطائرة وفي القطار والمقهى». يتحقق التحرر من خلال تحطيم السرد مما يسمح بمقاربة أكثر حميمية في إطار سيرة ذاتية أو خيالية. يرافق القارئ الرسام بطريقة متداخلة في بحثه عن الذات ومطاردة الأفكار. يضيف كرباج متحدثاً عن إلهامه الذي يدور في»محورين رئيسيين: الضحك والبكاء». تجاذب بين مشاعر متناقضة، التهكّم وصعوبة العيش، هذه المشاعر التي ندركها بوضوح في مجموعته الشعرية «رسالة الى أمي».
في «يومياته»، يتشارك القارئ عبر الشخصية الرئيسية ــ وهي صنو الكاتب ــ أفكار مازن ولياليه الطويلة وتعبه والهالات السوداء حول عينيه وسريره وأهواءه وعلاقته بالنساء وتدخينه ليتعمق في نفسيته وبحثه عن الوحي وحفلاته الموسيقية في كل مكان. يتشارك القارئ أيضاً هم المعيشة الذي يصيب الفنانين ومسوؤليات مازن الكثيرة كأب لأسرة، ويتعرف إلى دائرة أصدقائه المقربين وهواجسه السياسية: الأحداث العالمية والحرب الأهلية وانتشار السلاح والرصاصات الطائشة والذقون الطويلة والهشاشة الاجتماعية في لبنان والمأساة الإنسانية في سوريا، بالإضافة إلى عدم الاعتراف بمعاناة وحقوق الفلسطينيين وتهرب اسرائيل الأبدي من العدالة والمحاسبة وتواطؤ الغرب. في إطار هذه الاضطرابات العاطفية والقصص الشخصية التي يميل اليها الرسام والموسيقي، تطغى السيرة الذاتية على كتابات كرباج. منذ الطفولة، كان بديهياً بالنسبة إليه أن يعمل يوماً ما مع والدته الفنانة لور غريّب التي تجمعهما روابط «أبعد من العلاقة الطبيعية التي قد تربط بين أم وابنها». تظهر هذه العلاقة بوضوح في بعض الرسوم حيث نرى مازن يعوم في السائل الامنيوسي (الذي يحيط بالجنين) طارحاً على والدته إمكانية بدء كل شيء من جديد.
يظهر أيضاً في رسمة أخرى مع أصدقائه حول مائدة الطعام عند والدته يتناولون الملوخية. يعلّق كرباج: «انتظرت النضوج لأعمل على تطوير لغة فنية متساوية مع والدتي». بدأ ذلك خلال حرب تموز 2006، واليوم «نؤلف بأيدينا الأربع، سيرة ذاتية مزدوجة. عمل مزدوج يبدو كأنه صنع شخصية ثالثة».