الثقافة ليست ترفاً، الثقافة متلازمة مع الحياة القيمة. لذلك، فإِنَّ دعم الثقافة هو مساهمة في حياة أفضل. والمسرح كما وُصف كثيراً، هو أيضاً فعلُ حرية. لذلك، فإنّ دعم المسرح هو مساهمةٌ في دوام الحرية والتعبير الحر وهو أيضاً مرآة لأَعراف المجتمع وتقاليده، لكنه يُعبِّر أيضاً عن رغباته وطموحاته. وهكذا يُمكنه أن يكون أداةً لنقد المسلمات واختبار الممكن ومضاعفة الخيارات.

والمسرح فن يعيد الإنسان إلى روحه ووجدانه وجذوره، ويربُطه ربطاً سحرياً بأرضه ولغته وتاريخه ومستقبله. وهو في تكوينه يرفض كلّ ما يُفرِّق، ويجمع تحت سقف واحد، جمهوراً متعدد الانتماءات. يحرِّض على الحوار المثمر وعلى الفعل والتفاعل، لا على الانفعال فحسب. غير أن الحوار كما نريده ونبتغيه لا يستقيمُ فعلياً بدون تعميم الديمقراطية واحترام التعددية وكبح نوازع العدوانية عند الأفراد والأُمم على السّواء كما قال سعد الله ونوس. وهذا الفضاء، فضاء المسرح هو فضاءٌ للمقاومة الثقافية وللبقاء منصةً إبداعيةً وفكرية وفلسفية وفنية.

ونحن بحاجة ماسّة للتفاعلِ والحوار، ونحن بحاجةٍ إلى هذه المساحة الإبداعية الحرة للانفتاحِ على الآخر، والتواصل في ما بيننا، وقبولِ الآخرِ واحترام الاختلاف.
في ذلك المكان الساحر المسرح، ينمو التّوق وينمو الشّغف ويترعرع الخيال الوثّاب الخلاّق. في ذلك المكان، يعتلي فقير العرش دون إذن أو دستور، ويسقط الطاغية في ثانية واحدة عن عرشه. هناك يُفتح باب الخيال والاحتمالات والتغيير دون خوف... دون أيّ حاجزٍ، دون أي ادعاء. ضمن هذه الرؤية، يسكن هوس المبدعين الخلاقين وتوقُهم الى المعرفة، وهنا تكمنُ قوَّتَهم، في الانتقال بخفّةٍ بين الزوايا المظلمة في المجتمع والزوايا المضيئة، قي نقض الثابت والهامد، وفي الهدم المخلِّص.
إذا تخلّى المبدعون عن كلِّ ما يُدينُ ويكشفُ ويصدُم ويفضحُ ويُثير، إذا تخلّوا عن إدانةِ الظُّلمِ وتعرية القهر، فإنّهم يتخلّونَ عن سلاحِهم الأمضى، أي عن اللَّعب بالنار. وإذا تخلى المبدعون عن حريتهم، فإنهم كالذي يرمي بالماء البارد على النار.
التعبير الحر هو اﻠذي يطغى على هذا الفن، وهو اﻠذي يفتحُ خياله وابتكاراته ومعالم الإبداع في مخيلته وعقله.
الحرية ليست فقط في التعبير الحر، ولكن بحرية الجسد والنطق والحركة والخيال، إذ أنّ المسرح هو كل ذلك معاً. يجب أن لا يكون هناك خوف، إذ أن هذا الفنُ يلغى ويصبح شكلانياً فنياً دون مضمونه العميق اﻠذي يرمي الى التغيير، خاصة في مجتمعاتنا. إذا قلمنا أظافره وﺸذبنا معانيه ﻔﺈنه يصبح دون أي فعالية قيمة.


كان ذلك أكبر عمل
رقابي في تاريخ لبنان

هذه هي مهنتنا، فكيف نتخلى عن سيفها ذي الحدين؟ وكيف لنا أن نتركَ من لا ينتمي إلى هذا العالم أن يقرر القص واﻠﺤذف وتغيير الموضوعِ وتشويه الحقيقة كي تمر على جهاﺒذة السياسة والطائفية يقبلونها ويقوموا بتدوير الزوايا حتى تصبح مسطحةَ المعنى مقصوصة المخالبَ لا تعني أي شيء؟
نحن نمارسَ مهنةَ الهاوية، ﻠذا يجب أن نبقى دائماً على الشَّفير ونقبل الوقوف هناك على شفير الممنوعات والمحظورات والمحرمات وأن نواصل التفتيش عن الحقيقة ولو كانت جارحة أحياناً.
ﻔﺈذا كنا فنانين مبدعين، فلن نقبل أبداً أي مقصّ مهما كان حامله مهماً أن يقطع جملة واحدة أو مقطعاً واحداً أراده الكاتب المبدع ضمن رؤيا كاملة لموضوع مدروس. هذا هو المبدأ.
إنّ الطفيليين اﻠذين يدورون حول ضوء هذه المهنة ويدّعون الفن وفهم أسراره أكثر منا يجب أن يعرفوا أن الرقابة هي عكس الفن، وهي تلغي أهميته كلياً، هذا إذا كنا نعرف أنّ المسرح حرية، والحرية حق من حقوق الانسان، ودون حريةِ التعبير، فليس هناك فن ولا من يحزنون.
إلى جميع القيّمين على الثقافة، أقول: المسرح ليس ترفاً، وهو ليس عملاً عادياً ورخيصاً، ولا يمكن حصره في دائرة المقبول والمرفوضِ، المُحَلَّل والمُحرَّم. المسرح ابْنُ الرَّفضِ، وهو أداةُ تغييرٍ وثورةٍ وحُلم... هو ليس بالحياة ولكنّهُ حياةٌ تُوازي الحياةَ، يَحكيها المبدعونَ. لذلك دَعونا نُقَرِّرُ ما يُريدُ المشاهدُ المستنيرُ أنْ يَسمعَ وأنْ يَرى. دَعونا نُهيّئُ الطالبَ الشاب إلى غدٍ أفضل. نَتركُ للجمهورِ الخيارَ، وهو الذي يُقرّرُ المجيءَ أو عدمَ المجيءِ إلى المسرح.
العملُ الإبداعيُّ الكبير لا يُقاس بالموازينِ نفسِها التي يُقاسُ بها أيُّ عملٍ آخَر وأيُّ مهنةٍ أخرى. العملُ الإبداعيُّ الكبير قد يَظهرُ أحياناً، ولفرطِ صِدقِهِ وعَرائِهِ، كأنّهُ عملٌ غيرُ أخلاقيٍّ، شائنٌ وخَشنٌ، يَدفعُ إلى ردودِ فعلٍ متفاوتةٍ ومتناقِضَة. لكن إذا أعطيناهُ بعضَ الوقتِ للتفكيرِ والتمحيصِ، نكتشفُ أنّهُ ملتزمٌ بالأعماقِ الإنسانيةِ ومشكلاتِها الدَّفينة، دونَ أن نَنسى أنَّ حريةَ التعبيرِ عندَ الفنانِ الخلاّقِ هي التي تعرفُ ما الذي تَقولُه وكيف؟
إنّ ردودَ فعلِ الجمهورِ أيضاً، وأقصدُ الجمهورَ الذي يَجمَعُه مكانٌ واحدٌ، تَتَمَثَّلُ في بقائهِ في المسرح، وإلاّ لكانَ غادَرَهُ لو لم يَتَمَكَّنِ الفنانُ من الغَوصِ عميقاً في المشاعرِ والعقول.
سنة 1968 وضمن «محترف بيروت للمسرح» اﻠذي كنت قد أسسته مع روجيه عساف وشلة رائعة من الممثلين المحترفين وغير المحترفين والطلاب من الجامعات اللبنانية وعندما اكتشفت أن الفدائيين الفلسطينيين قد جاؤوا الى لبنان بأعداد كبيرة وتوجهوا الى الجنوب لبدء عملية المقاومة، قلت لروجيه عساف حينها إننا يجب أن نقوم بعمل مسرحي عن الفدائيين والمقاومة.
أعجبه الموضوع وتعجب منه في الوقت نفسه. وبدأ العمل الجماعي اﻠذي كنا يومها نتميز به وبدأنا بالتنقيب عن العلاقة بين الفدائيين والجنوبيين وبينهم وبين الطلاب وعملهم معاً لبدء المقاومة. أخذنا نموذجاً عن قرية جنوبية يعمل سكانها في التبغ “مجدلون». العمل كان شيقاً وكان الموضوع يتبلور. وعندما اصبح عملاً فنياً متكاملاً، قدمناه أمام جمهور مسحور صفق للموضوع وللممثلين، خاصة أنّهم كانوا يرون الفدائيين بألبسة رؤوسهم الحمراء وأسلحتهم على المسرح للمرة الأولى.
في اليوم الرابع لتقديم العرض وكانت بيروت تضج بأخبار “مجدلون” و«محترف بيروت للمسرح» وقبل أن نبدأ، طوّق المكتب الثاني أي المخابرات والجيش والفرقة 16 المسرح وطردونا منه ونحن نغني أغاني المسرحية الوطنية المقاومة. ضربونا في بنادقهم حتى وصلنا الى مقهى الـ «هورس شو» في الحمرا، وكان هناك لقاؤنا اليومي، فدخلنا وأحطنا بكل أنواع المخابرات والجيش والطلاب والصحافيين. بدأت بقول أول أسطر لي في المسرحية، فأجابني رضا وروجيه الخ... فاستاء منا الضابط وطردنا من المقهى. خرجنا الى الشارع نشتم ونصيح وقد قطع شارع الحمرا بالطلاب والجمهور اﻠذي استاء من معاملتنا بهذا الشكل. وعندما قمت بشتم رئيس الدولة، أجبر الضابط على نقلنا جميعاً بسيارات الدرك إلى مخفر حبيش وذهب معنا الكثير من الصحافيين والطلاب والمثقفين.
وبما أنّه كان يوم السبت والأحد، وكل الدوائر كانت مقفلة، أرادوا أن يتركونا يومين كي يلقنونا درساً. فخرجنا بمساعدة والدي. وكانت هذه اكبر عمل رقابي في تاريخ لبنان وقد يكون في العالم العربي. كانت من أكبر وأهم المداهمات ضد حرية التعبير. وقامت القيامة ولم تقعد. وقالوا في الرقابة إنّنا لم نقدم النص، لكننا قدمناه وأخذنا الموافقة، غير أنّ القراءة المسرحية لا علاقة لها بالحركة على المنصة، فندموا على فعلتهم، اذ أنّ دخول الفدائيين الى لبنان لم يكن معروفاً من قبل الناس، فتشابكت الفنون والسياسة وكانت الدولة تريد أن تطمس دخول الفدائيين الى لبنان بسلاحهم.
وما كان للمسرحية الا أن فضحت الأمر وامتلأت الصحف بالمقالات عن المسرحية والمحترف.
كلنا يعلم بحال الديمقراطية وحرية التعبير في عالمنا العربي، ولا مجال للسجال في هذا الموضوع. لا ديمقراطية في عالمنا ولا حرية ولا حرية تعبير، وكل ما نقوم به احتيالات صغيرة هنا وهناك.
وقد كثرت الجمعيات الأهلية ﻹلغاء الرقابة، لكن الغاء الرقابة يبدأ أولاً وأخيراً بإقامة دولة مدنية ديمقراطية لا طائفية. حينها لن يكون هناك رقابة، إلا رقابة المواطن المسؤول عن نفسه وعن عمله. وبما أنّنا نعيش وفي خاصرتنا خنجر اسرائيل، سنكون دائماً ﺤذرين مما نقول ومما نفعل فقط في هذا المضمار.
06/04/2015