أكيرا كيروساوا (1910- 1998) ماركة يابانية مسجّلة. أيقونة سينمائية عبرت الأرخبيل الآسيوي قبل البضاعة اليابانية ذات الماركات المشهورة بسنواتٍ طويلة. في مطلع خمسينيات القرن المنصرم، كان كيروساوا المخرج الياباني الوحيد الذي تمكّن من اختراق حدود الشاشة المحلية نحو العالمية لتتوج تحفته «راشومون» بجائزة الأسد الذهبي من «مهرجان البندقية السينمائي».


في عام 1982، وصل صاحب «ران» إلى قناعة راسخة بأنه ودّع كرسي الإخراج إلى الأبد، إثر محاولة انتحار فاشلة، مكتفياً بما وقّعه بكاميرته الذهبية من أفلام وضعته في الواجهة طوال نصف قرن، فقرّر أن يتفرغ لكتابة مذكراته. المذكرات التي صدرت باللغة العربية أخيراً، بطبعة جديدة، حملت عنوان «عرق الضفدع» (دار المتوسط، ترجمة فجر يعقوب) تضيء جوانب عميقة من شخصية هذا الساموراي السينمائي بخلائطه البصرية المدهشة.
في اعترافاته، يتوقّف إمبراطور السينما اليابانية عند حدود خمسينيات القرن المنصرم، نابشاً شتات ذاكرة طفولية، وبدايات عمله في السينما مساعداً للإخراج، بعد فشله بأن يكون رسّاماً. الكتابة عن الذات أشبه بوضع ضفدع في صندوق صغير جدرانه من المرايا، مما يثير رعبه ويجعله يفرز مادة دهنية. يفسّر هذه الحالة بقوله «أعتقد أن تكتب عن نفسك، تماماً، هذا يعني أن تجلس بين أربعة جدران مغطاة بالمرايا، وأن تحدّق فيها، تريد أو لا تريد، تجلس وتراقب نفسك من زوايا مختلفة، فتحسّ بأنك مختلف بعض الشيء عن ذاتك. هذا ما أحسّ به الآن».


شهد عن كثب الغارات الأميركية المدمِّرة على طوكيو

هكذا تحضر طفولته أولاً، بلحظات غائمة، مشتتة، ضبابية، يتوقف عند سنة ولادته، ويقفز أحياناً إلى ما هو أبعد بكثير. الصورة الأولى تتعلّق بجلوسه عارياً في حوض بلاستيكي تغمره المياه، وانقلاب الحوض به فجأة «حتى اليوم لا زلت أعايش رهبة طيراني المفاجئ والبلل الذي لحق بأثاث الغرفة، ثم النور المفاجئ الذي سطع فيها». تتلاشى مشهديات الطفولة نحو سنين شبابه المبكرة، وكيف كان يذهب إلى السينما برفقة عائلته: «الجزء الأكبر من الصالة لا توجد فيه كراسٍ، ولذلك غالباً ما كنّا نفترش الأرض». كان شقيقه الأكبر يعمل مفسّراً للأفلام في السينما الصامتة، وهو من عرّفه على سحر الصورة، إلا أنّ التأثير الأساسي كان لوالده: «رغم أنه كان رجلاً صارماً وحاسماً، فماضيه يشهد بأنه كان عسكرياً محترفاً، هو من كان يصحبنا إلى دور السينما، فقد كان يعتقد أن السينما أداة معرفية مع أن السائد في تلك الفترة بأنها للمتعة والتسلية فقط، ولم يغيّر وجهة نظره هذه أبداً حتى مماته». حاول الطفل أكيرا القفز خارج سور المدرسة للذكرى السيئة التي تركتها في حياته، معترفاً بأنه كان بطيء الفهم، وأن المعلّم كثيراً ما كان يعيد شرح الدرس خصيصاً له، مما كان يستدعي ضحك زملائه في الصف. لكنه بمجرد انتقاله إلى مدرسة جديدة في قريةٍ أخرى، أحسّ كأن ريحاً مباغتة قد أزالت غيمة الضباب عن وعيه واستجابته للدروس على نحوٍ مختلف: «بدأت أرصد الأشياء بلغة سينمائية، كما لو أن عدسة الكاميرا، ضبطت وضوحها البؤري من تلقاء نفسها، وبدأت البانوراما». هكذا اختفى لقبه «البرغوث» بين التلاميذ، وتوقّف عن البكاء في غرفة الصف. سيعود أضحوكة في المرحلة المتوسطة خلال دروس التعليم العسكرية، بسبب عدم استيعابه الأوامر العسكرية والإيعازات الصارمة، ما جعله يتعرّض لعقوباتٍ قاسية. لا يذكر صاحب «الساموراي السبعة» مسقط رأسه كعلامة فارقة في حياته، معتبراً أن اليابان كلها مجرد بلد صغير فما بالك بقرية في آخر العالم؟ هذه الفلسفة الكونية فتحت مخيّلته نحو ما هو أبعد بكثير: «في أي بلد أحلُّ به، لا أحس نفسي غريباً عليه، رغم أنني لا أعرف لغة أجنبية. الكرة الأرضية هي مسقط رأسي». يوضح هذه الفكرة بقوله: «لو رأى البعض المآسي التي ترتكب بحق البشرية في هذا العالم لتوقفوا عن الزعم بخصوص مسقط الرأس. لقد آن الأوان لتعي البشرية حجم المآسي والكوارث التي ستلحق بها. يقلقني أن هذه البشرية نفسها ترسل الأقمار الصناعية إلى الفضاء، وفي الوقت نفسه تنكش في الأرض بين ساقيها مثل كلابٍ مسعورة».
هناك حصة للقراءة أيضاً، إذ وجد ضالته في كتب الطبعات الشعبية التي كانت أرخص من ثمن الألوان ومتطلبات الرسم، شغفه الأول. توافر الكتب المستعملة أتاح له أن يلتهم عشرات العناوين من الأدب الياباني والعالمي، وخصوصاً الأدب الروسي، بالإضافة إلى المسرح والموسيقى الكلاسيكية، لكن الانخطاف الكبير كان باتجاه السينما بفضل شقيقه الذي عرّفه على الأفلام الأجنبية التي أصبح معظمها من كلاسيكيات السينما العالمية لاحقاً. رصيد فكري ضخم اختزنه الفتى العشريني إلى أن استدعي إلى الخدمة العسكرية، في نهاية الحرب العالمية الثانية، ليشهد عن كثب الغارات الأميركية المدمّرة على طوكيو. كما واكب انطفاء عصر السينما الصامتة وانتحار شقيقه، بعدما فقد عمله كمفسّر للأفلام. تعقيدات حياتية متتالية، قادته أخيراً بمصادفة بحت للعمل كمساعد مخرج، وسيكتشف تدريجاً أن المخرج هو «آمر الخطوط الأمامية، وله أن يمتلك التكتيكات الحربية، ولكنه إذا كان لا يعرف كل أصناف القتال ولا يعرف مقاتليه، فإنه لا يستطيع أن يكون آمراً للتحرّكات العامة».