قلة من القادة تفتقدهم شعوبهم في المحطات المصيرية الحاسمة. من هؤلاء القادة كان جمال عبد الناصر الذي ما ألّمت بشعبه وأمته نازلة إلا وصاح الجمع: لو كان عبد الناصر بيننا. لا يتسع المجال هنا للإحاطة بكل المحطات المصيرية التي مرت بها مصر، ومعها الأمة العربية، منذ رحيل «أبي خالد» في ذلك اليوم الحزين من أواخر أيلول (سبتمبر) 1970، بعدما قام بواجبه في وقف النار في الأردن بين ملك طالما خاصمه في خياراته التحررية، وثورة فلسطينية قست بعض فصائلها عليه بعد قبوله بمشروع روجرز يوم كان يريد تهدئة يستطيع من خلالها أن يقيم جدار الصواريخ على جبهة القناة لتحمي العبور التاريخي لخط بارليف الحصين.


فلو كان عبد الناصر بيننا اليوم، لما ترك انتفاضات الشعب الفلسطيني وبطولات شبابه لوحدها، بل لأمسك القائد بيدها وقاد شبابها إلى النصر ودحر الاحتلال. ولو انفجرت في حياته حرب لبنان، لكان حريصاً على لملمة شظاياها ومداواة جراحها منذ أيامها الأولى، ولو غزا العراق الكويت عام 1990 وهو حاضر، لكان أوّل من قاد حلاً عربياً لمحنة بين أشقائه كما فعل عام 1960. ولو نهضت في عصره مقاومة لبنانية ظافرة، لكان حماها برموش العيون وكان ناصراً لها حتى تحقيق أهدافها، ولو احتل الأميركيون العراق، وهو موجود، لكان ناصر سيقود مقاومة عربية تتكامل مع مقاومة العراقيين البواسل.


لو انفجرت في حياته حرب لبنان، لكان حريصاً على لملمة شظاياها ومداواة جراحها منذ أيامها الأولى

ولو عرف أنّ هناك حكومات عربية تستدعي «الناتو» إلى ليبيا، لكان أول المتصدين لها والمدافعين عن استقلال البلد العربي الشقيق ووحدته وسلامة أراضيه. ولو عاصر المؤامرة الكبرى الممتدة منذ أكثر من ست سنوات على سوريا والتي استغلت مطالب مشروعة لتنفيذ أجندات مشبوهة، وهي مؤامرة توجتها واشنطن بعدوانها الأخير، لسارع عبد الناصر لإغلاق كل ثغرة داخلية ينفذ منها أعداء سوريا التي أحبها وأحبته. كما ليعلن الاستنفار العام دفاعاً عن سوريا كما فعل في مراحل سابقة، حيث قال «المهم أن تبقى سوريا» بعد الانفصال المشؤوم عام 1961. أما اليمن التي انتصر ناصر قبل 57 عاماً لخيارات ثورته التحررية التقدمية، لما كان ممكناً للقائد العربي الكبير إلا أن يتدخل لوقف العدوان عليه، ولإيجاد الحلول الداخلية التي لا يطغى فيها فريق يمني على فريق آخر.
أما السودان الذي أعلن فيه ناصر لاءاته الثلاث (لا صلح لا تفاوض لا اعتراف)، فما كان قائد ثورة 23 يوليو ليتركه فريسة التقسيم، وليترك جنوبه وشماله عرضة للمزيد من التقسيم والتفتيت.
والكنائس في مصر، التي تعرضت بالأمس كغيرها من بيوت العبادة في مصر وغير مصر، للتفجير والاستباحة، لكانت وجدت في عبد الناصر حارساً أميناً لها، ليس بأجهزة الدولة التي يرأس فقط، بل بسلامة النهج الوطني والفكر القومي الذي يحمله مع رفاقه المدركين أن مصر، كما الأمة، لا تقوم إلا بكل مكوناتها ولكل هذه المكونات. فهل ينسى أقباط مصر أنّ جمال عبد الناصر قد ساهم، ومن حصالات نقود أبنائه، في التبرع لبناء الكاتدرائية المصرية في العباسية كرمز لوحدة المصريين مسيحيين ومسلمين؟
فمن أين لجمال عبد الناصر تلك القدرات على معالجة كل الفتن والمحن والأزمات؟
إنّ قوة جمال عبد الناصر، قائداً وتجربة، تنبع في نظري من ثلاث ركائز. أولى هذه الركائز هي نهضوية المشروع الذي حمله وكانت عناصره تتكامل يوماً بعد يوم في ضوء التجربة والخطأ وفي ظل الاستجابة لحاجات شعبه وأمته.
لم يكن جمال عبد الناصر أول من حمل الهم النهضوي في مصر والأمة العربية بالتأكيد. لكنه كان وريث سلسلة من المحاولات النهضوية الهامة في حياة بلاده وأمته، وكان بالتأكيد أول قائد مصري يحمل مشروعاً نهضوياً متكاملاً يسعى لتحقيق حرية الوطن والمواطن، ولتلازم الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية، ولتكامل التنمية المستقلة مع العدالة الاجتماعية، وللارتباط الوثيق بين مجاراة العلم والتجدد الحضاري، وللعلاقة التي لا تنفصم بين الوطنية المصرية والقومية العربية.
ثاني الركائز التي قامت عليها تجربة جمال عبد الناصر، كانت في إدراكه لأهمية التكامل بين الدوائر الثلاث لبلاده: العربية والإسلامية والأفريقية قبل أن يكتشف عبر التجربة، الدائرة العالمثالثية بل الدائرة الإنسانية الشاملة.
لقد رسم ناصر بإدراكه للتكامل بين الدوائر المحيطة بأمته الحلّ الجذري لمشكلة تصادم الهويات أو تناحرها، بل أكد أنّ المصري يمكن أن يكون مصرياً وعربياً، مسلماً وإنسانياً، أفريقياً وعالمياً في آن، فأسقط كل المعادلات الفتنوية التي تقوم على إثارة التناقضات بين الهويات كالقول «مصر أولاً»، ليصل الأمر بنا إلى الحديث عن «الطائفة أولاً» أو «الجهة أولاً»، أو «الجماعة أولاً» أو «الحزب أولاً» فندخل في متاهات لا نهاية لها.
لكن إدراك ناصر لتكامل الدوائر، وبالتالي الهويات، لم يكن يهدف فقط إلى إيجاد حلّ لتناقضات مفتعلة بين حقائق أصيلة، بل كان يدرك الأبعاد الاستراتيجية لكل دائرة، أو هوية سواء على مستوى الاستقلال الوطني، أو التكامل الاقتصادي، أو العمق الحضاري أو متطلبات الأمن القومي والإقليمي.
بل إنّ إدراك ناصر لتكامل الدوائر، هو رفض لأيّ سياسة أو خطة أو أحلاف استعمارية تحاول التلاعب بأولويات الصراع، وتسعى لتغييب الصراع مع العدو الرئيسي للأمة لصالح أعداء آخرين. لذلك، ارتبط اسم جمال عبد الناصر بالمشروع العربي المغيّب هذه الأيام. ولم يرتبك أمام المشاريع الإقليمية الأخرى، كالمشروع الإيراني والمشروع التركي والمشروع الاثيوبي، بل أصرّ على أن يشعل شمعة أو مصباحاً للمشروع العربي الذي يتكامل مع المشاريع المجاورة الأخرى لبناء مشروع إسلامي أفريقي حضاري تتكامل فيه القوميات، كما تتكامل في إطار القومية العربية الهويات الوطنية على قاعدة الاستقلال والتنمية والعدالة والديمقراطية.
أما الركيزة الثالثة والكامنة في الركيزتين الأولى والثانية، فهي أنّ كلمة واحدة تختصر مسيرة القائد الكبير وهي «أنّه مقاوم» منذ أن كان طالباً يتظاهر ضد الاحتلال الإنكليزي في أربعينيات القرن الماضي، ثم عندما كان محاصراً في الفالوجة الفلسطينية عام 1948، حتى ارتقى شهيداً وهو يحاول إنقاذ المقاومة الفلسطينية في لحظة الحريق بينها وبين النظام الأردني في أيلول 1970.
كان ناصر مقاوماً لتجزئة الأمّة بالوحدة، لافتاً منذ وقت طويل إلى الترابط بين الوحدة الوطنية والوحدة القومية، فالأولى تفتح الطريق للثانية، فيما الثانية تعزّز الأولى وتحميها.
وكان ناصر مقاوماً للاستعمار والصهيونية برفع رايات التحرير والاستقلال الوطني والقومي، مدركاً أنّ التحرير ليس تحرير الأرض فقط، بل تحرير الإرادة وتحرير العقل، وأن الاستقلال ليس علماً ونشيداً فقط بل هو استقلال القرار والخيار.
وكان ناصر مقاوماً للظلم والاستغلال والاحتكار بالعدالة الاجتماعية التي ترفض أن تموت القلّة من التخمة، وأن تموت الأكثرية من الجوع.
وكان ناصر مقاوماً للتخلّف بالتنمية المستقلّة، وللجهل بالوعي والعلم، فمثلما أطلق الخطط الخمسية والمشاريع الكبرى التي كانت تسابق النمو السكاني المصري المتسارع، أطلق مشاريع وخطط التعليم الإلزامي وفتح أبواب الجامعات لأبناء مصر من كل الطبقات، وأقام المعاهد ومراكز البحث والتدريب للقضاء على الفجوة العلمية بين أمّتنا والعالم. وكان ناصر مقاوماً لمحاولات فصل الأمّة عن تراثها الروحي العميق المتمثل بالإسلام، فأرسل المئات من بعثات الأزهر لتعليم أبناء آسيا وأفريقيا أصول الدين الحنيف، تماماً مثلما كان مدركاً لأهمية التنوع الديني في بلاده وأمّته، فطلب من أنجاله الصغار أن يتبرعوا بما جمعوه في حصالاتهم من أجل تشييد الكاتدرائية القبطية الكبرى في القاهرة.
كان ناصر مقاوماً لكل نزعة شوفينية أو عنصرية تلقي بظلالها على الحركة القومية العربية، فكان من أوائل الذين احتضنوا المطالب الشرعية للحركة الوطنية الكردية في شمال العراق، ومن أكثر المتفاعلين مع جماهير الأمازيغ في الجزائر إلى درجة أنّ صحافياً فرنسياً كان يتجول في جبال الأوراس فوجئ «بقبائلي» لا يعرف العربية يحمل راديو ترانزستور يستمع إلى خطاب يلقيه جمال عبد الناصر، فلما سأل الصحافي القبائلي الجزائري: أنت لا تعرف العربية. هل تفهم ما يقوله ناصر؟ أجابه المواطن الجزائري على الفور: نعم أفهمه بقلبي.
كان ناصر مقاوماً لكل تناحر بين أبناء الأمّة العربية، بل كان يسعى دوماً لإصلاح ذات البين في الصراعات البينية العربية. وحتى حين كانت تفرض عليه شخصياً تسوية، خصوصاً مع هذا النظام أو ذاك، بما فيها حرب اليمن نفسها في أوائل الستينيات، لم يكن يغلق الباب أمام التسويات مع خصوم الأمس في إطار سياسة «وحدة الصف» بعد أن يكون قد سار لسنوات في سياسة «وحدة الهدف».
كان ناصر مقاوماً لسياسات الهيمنة الاستعمارية على بلاده وعلى العالم من حوله، فلم يكتف بدعم كل حركات التحرر والاستقلال في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية فحسب، بل سعى مع رهط من زعماء دول هذه القارات لإطلاق حركة عدم الانحياز التي شكّلت قطباً ثالثاً في عالم تسوده ثنائية قطبية وحرب باردة بين واشنطن وحلفائها من جهة وموسكو ومعسكرها من جهة ثانية.
ولأنه كان مقاوماً، كان شجاعاً في مراجعة تجربته وتحديد مكامن الخطأ والخلل دون تردّد، مدركاً أن مواجهة الأخطار العظيمة التي تواجهه لا تنجح إلّا بالمراجعة الدائمة والجريئة لأدائه في الواقع الذي يتحرك فيه. قد يسأل بعضهم: ولكن ألم تكن هناك أخطاء وثغرات في تجربة جمال عبد الناصر؟ والجواب: طبعاً، كانت أخطاء وثغرات قاتلة أحياناً، كما في انفصال عام 1961، وهزيمة 1967، لكن أفضل من تحدث عنها كان جمال عبد الناصر نفسه في خطبه ومناقشاته واجتماعاته، وميثاق العمل الوطني الشهير الذي أعلنه عام 1962، وفي المعالجة الجذرية لأسباب النكسة عام 1967، مدركاً أنّ الشعوب والحركات والقيادات التي لا تستفيد من أخطائها مكتوب عليها الاندثار.