في عام 1987، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى. منذ تلك اللحظة، تغيّرت أشياءُ كثيرة. كانت هذه الانتفاضة علامةً تاريخية لمقاومة الشعب الفلسطيني، فما قبلها ليس كما بعدها أبداً. كانت انتفاضة حجارة، شعباً قاوم بقده وقديده، أي أن جميع أطياف الشعب قاومت بما استطاعت: من التاجر، إلى العامل، إلى الفلاح إلى تلميذ المدرسة والجامعة؛ الكل يعني الكل.


اليوم، تحيي «دار النمر للفن والثقافة» بالتعاون مع «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» تلك الذكرى عبر مجموعةٍ من الأنشطة الموجهة لتخليدها، ودراستها وإعادتها إلى الواجهة بصفتها فعلاً مقاوماً يجب تكراره والمراكمة عليه.
يحضر السؤال إلى الواجهة: لماذا انتفاضة عام 1987؟ أليست هناك أحداث جلل أخرى يمكن الحديث عنها؟ ما الذي دفع بـ «دار النمر» إلى خوض تجربةٍ مشابهة؟ «اخترنا هذا المشروع لأنه قد مضى 30 سنة على الانتفاضة الأولى، وهي مفترق سياسي مهم جداً لا يمكننا غضّ النظر عنه. إنه حدث خلق نقلة نوعية في القضية الفلسطينية.


تتحدث سعاد العامري عن الانتفاضة الأولى من زاوية ثقافية فنية
أصبحت «انتفاضة» كلمة عالمية موجودة في القاموس العالمي، وهذا يدل على أهميتها في ذلك الوقت. كانت حدثاً لفت كل الأنظار إلى فلسطين وما يحدث داخلها من تجاوزات وقمع من قبل العدو الإسرائيلي الذي كان مختبئاً إعلامياً، فجاءت الانتفاضة لتعري الاحتلال أمام الإعلام. إن للانتفاضة دوراً كبيراً في إحياء القضية الفلسطينية وإعادة إحياء الملف الفلسطيني. لا يمكن أن ننكر أهمية هذه المرحلة في حياة القضية الفلسطينية» تحدثنا رشا صلاح مديرة المشروع ومديرة «دار النمر». المبادرة إذاً انطلقت من رام الله مع مدير «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» خالد فرّاج المقيم بين لبنان وفلسطين. وقد اختارت الدار أن تتشارك مع «مؤسسة الدراسات» في هذا المشروع لأسباب توضحها صلاح: «هي الشريك الأنسب لأنّها تعطي بعداً ثقافياً وأكاديمياً للانتفاضة. نحن هنا لن نتحدث عن الانتفاضة فقط كحدث تاريخي أو سياسي. يهمنا كثيراً أن نراه من جوانب أخرى مختلفة أيضاً. لذا هناك بعد أكاديمي كبير جداً من خلال الأوراق التي تقدم خلال المؤتمر». وتشير إلى أنّه من الجميل للغاية أن النشاط يغطّي مناطق غزة والضفة وبيروت التي تعاني أي معاناةٍ عبر صعوبة الحركة عبرها وبينها، «لا يمكننا أن نخفي سعادتنا فيه - أي النشاط - كوننا نبني جسوراً من خلال هذه النشاطات».
ماذا إذاً عن خطة العمل وطريقة الحراك؟ تشرح لنا صلاح بأن العمل كان مشتركاً بين الفريقين، فريق «دار النمر» وفريق «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، وقد تم اختيار الأعمال بالتناسب بينهما؛ وقد «كان العمل مشتركاً. في غزة ورام الله، تولوا هم العمل بما أنّه لا يمكننا العمل على الأرض هناك. جزء من الأوراق التي ستقدم في رام الله، ستقدم نفسها في بيروت. لكن الخيار كان جماعياً في الأشياء التي نعرف العمل بها».
انطلق المهرجان أول الأمر في غزّة من 24 إلى 26 الشهر الحالي، وانتقل بعدها إلى رام الله من 26 إلى 28 وصولاً إلى بيروت التي تحتضنه اليوم حتى 30 تشرين الثاني (نوفمبر). هذا الامتداد النشاطي واستمراريته عبر فلسطين وصولاً إلى لبنان، يوحي كثيراً بالتواصل والانسجام فضلاً عن الإصرار على أن يكون النشاط عينه قائماً في المناطق ذاتها في رمزيةٍ جميلة. يزخر المهرجان بالعديد من الأنشطة المهمة، إذ يبدأ مع فيلم المخرجة الفلسطينية مي المصري «3000 ليلة» (اليوم ـــ س:18:30 ـ يتبعه حوار مع المخرجة) الذي يحكي عن الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الصهيوني. حقق هذا الشريط الكثير من الشهرة عالمياً. وفي اليوم الثاني، يعرض فيلم شديد الأهمية هو «المطلوبون الـ18» (29/11 ــ س:18:30 ـ يتبعه حوار مع المخرج) للمخرج الفلسطيني عامر الشوملي. يحكي الشريط عن الانتفاضة الأولى ومحاربة العدو الصهيوني لـ18 بقرة لأنهم اعتبروا البقرات خطراً على أمن الكيان العبري. ذلك أنّ الفلسطينيين كانوا قد قرروا مقاطعة المنتجات الإسرائيلية كاللبن والجبن والحليب، فلجأوا إلى الطريقة الأقدم: إحضار أبقار واستخدام حليبها في المقاومة. تحارب إسرائيل البقرات في معركة هائلة ومضحكة. «هو فيلم رائع لأنه يعرض سخافة العدو الإسرائيلي. تتحول البقرات إلى بطلات قوميات بعد سعي القرى إلى إخفائها عن العدو الإسرائيلي. هذا كان سلاح أهل القرية ليتمكنوا من مقاطعة منتجات العدو. هذا كان في ظل الانتفاضة الأولى. لذا من خلال هذه القصة الحقيقية، يعكس الشريط حالة التضامن بين الفلسطينيين آنذاك في الضفة الغربية» تشير صلاح.
طبعاً سيكون هناك لقاء مع المخرجين (المصري والشوملي) كلٌ في يوم عرضه، للنقاش والتباحث حول الفيلمين وتجربة كل منهما. أما اليوم الأخير (30/11 ــ س:9:30 صباحاً حتى 2:15 بعد الظهر)، فسيكون مختلفاً بعض الشيء. إذ ستعرض أوراق مختلفة يقدّمها باحثون متخصصون ومؤرخون وفنانون، مثل خالد عليان المدير التنفيذي لـ «سرية رام الله الأولى»، والمدير الفني لـ «مهرجان رام الله للرقص المعاصر» (ورقته عن «الإنتاج الفني في الانتفاضة»)، وخالد حوراني مدير «الأكاديمية الدولية للفنون» في رام الله (ورقته عن الانتفاضة كحدث فني). أيضاً، سيتحدث عامر الشوملي عن الانتفاضة الأولى بصفته خبيراً. فخلال إنتاجه للفيلم، تعمّق في بحث مثير للاهتمام حول هذا الامر. كذلك سيتحدُّث المؤرخ والباحث الفلسطيني سليم تماري (البرجوازية الصغيرة: من عصب الانتفاضة إلى دودة الثورة) عن حالة التضامن بين التجار إبان الانتفاضة الأولى، «فهم أغلقوا محلاتهم وتوقفوا عن العمل. ولولا هذه الخطوة لما نجحت الانتفاضة» تشير صلاح. من جهةٍ أخرى، تطل أيضاً سعاد العامري (فلسطين بلا اسماء وبلا وجوه) صاحبة كتاب «شارون وحماتي» الذي يؤرخ لفترة الحصار الاسرائيلي لمقرّ ياسر عرفات عام 2001. ستتحدث العامري عن الانتفاضة الأولى من زاوية ثقافية فنية.
باختصار؛ يأتي النشاط الدؤوب الذي تقوم به «دار النمر» كثيفاً وحيوياً وخادماً لمشروع المقاومة بشكلٍ كبير، إذ يكفي جمع هذا الكم من الباحثين مع التركيز على أفلام وأنشطة ثقافية تطرح أسئلة حول المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية لنقول بأنّ الأمر ناجعٌ ومفيد.

«انتفاضة 1987: الحدث والذاكرة»: بدءاً من اليوم حتى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) ـــ «دار النمر للفن والثقافة» (كليمنصو) ـــ للاستعلام: 01/367013




3000 ليلة ـــ مي المصري
اليوم ــ 18:30


سيكون الجمهور اللبناني الليلة على موعد مع عرض فيلم «3000 ليلة» (103 د)، يليه حوار مع مي المصري. بعد سنوات من العمل في مجال الوثائقيات، كشفت المخرجة الفلسطينية في عام 2015 عن باكورتها الروائية التي تدخل في دهاليز السجون الصهيونية. يسلّط العمل الضوء على أوضاع القابعين/ات خلف قضبان العدو، ويستقي أحداثه من قصة واقعية واجهت المخرجة في الثمانينيات بُعيد وقوع مجزرتي صبرا وشاتيلا. نتابع قصة «ليال» (ميساء عبد الهادي) التي سجنت إثر مساعدتها لفلسطيني جريح على الهرب بسيارتها، ورضيعها الذي تنجبه في الحبس. للجانب الإنساني هنا أهمية كبيرة، إذ تعرض صاحبة «أحلام المنفى» صراعات إنسانية بين الاستسلام للضعف من جهة والمواجهة رغم صعوبة الظروف من جهة أخرى. الفيلم الذي اختير لتمثيل الأردن في احتفال الأوسكار الـ 89، يضم على قائمة أبطاله أيضاً: نادرة عمران (سناء)، وكريم صالح (أيمن)، وهيفاء آغا (أم علي)، وعبير حداد (هيفا)، وهنا شمعون (فداء)، وأناهيد فياض (ريحان)، ورائدة أدون (شولميت)، وركين سعد (جميلة)...




المطلوبون الـ 18 ـــ عامر الشوملي
غداً ــ 18:30


غداً، سيحين موعد فيلم التحريك الوثائقي «المطلوبون الـ18» (2014 ــ 75 د) للفلسطيني عامر الشوملي والكندي بول كوان، يتبعه نقاش مع الأوّل. انطلاقاً من قصة حقيقية، تدور الأحداث في بيت ساحور في عام 1987 مع قيام الانتفاضة الأولى في الضفّة الغربية، حول أحد أساليب المقاومة الشعبية التي استخدمها أهالي هذه البلدة الفلسطينية. يمزج الشريط بين مقابلات مع مواطنين ورسومات متحرّكة، ليسلّط الضوء على محاولة أهل بيت ساحور مقاطعة المنتجات الإسرائيلية وإنشاء اقتصاد مستقل لها عبر شراء 18 بقرة بهدف إنتاج الحليب ومشتقاته. لكن سرعان ما تتحوّل هذه الحيوانات إلى «خطر أمني» يهدّد الاحتلال الذي تصبح مطاردتها شغله الشاغل. وكان الفيلم قد حصد جائزة «أفضل فيلم وثائقي من العالم العربي» خلال «مهرجان أبو ظبي السينمائي» في 2014. لن يكتفي الشوملي بالحوار مع الجمهور، بل سيتحدّث بعد غدٍ في ندوة عن «معضلة المشهد الأخير في فيلم عن الانتفاضة».