لم تكن مزحة ولا دعابة حركة الموت التي فعلها الروائي والكاتب المصري مكاوي سعيد (1956 ــ 2017/ الصورة) صباح أول من أمس. لقد مات فعلاً. اعتاد رفاقه وأحباؤه على قصص الدعابات الكثيرة التي كان يفعلها معهم ولم يصدقوا الخبر الذي انتشر صباح السبت على نحو واسع على شبكات التواصل الاجتماعي، إلا بعدما ذهبوا إلى جنازته عصر اليوم نفسه قبل أن يحملوه إلى بيته الأخير.


الذين عاشوا الساعات الأخيرة مع صاحب «تغريدة البجعة»، قالوا بأنهم لاحظوا عليه بعض الوهن مساء الجمعة وأوصلوه إلى بيته حيث قام بتوديعهم بتلويحة أطال فعلها ــ ربما عن عمد - وهم لا يدرون بأنها ستكون التلويحة الأخيرة.
كثيرة هي الأسباب التي جعلت من مكاوي سعيد أو «عُمدة وسط البلد» حالة أدبية وإنسانية مختلفة في قلب العاصمة المصرية. أسباب جعلته ركناً أساسياً في المكان وفي الحالة الأدبية والكتابية هناك، أولها تحويله مقهى «زهرة البستان» لما يشبه المكتب الشخصي. مقعده الأخضر المُخصص له صار منزلاً بديلاً. ولن يكون الراغب في مقابلته بحاجة لموعد مُسبق. سيكون عليك أن تذهب فقط لتراه وهو الكاتب الذي تخلّص سريعاً من عاهات الأدباء الكبار الحاصلين على جوائز وشهرة كبيرة. هذا على الرغم من عبارته الشهيرة «لقد وصلت متأخراً»، وكان يقصد بها أنّ الناس لم يعرفوه إلا بعد حصول روايته «تغريدة البجعة» على تقدير محلي وعربي واسع بعد صعودها إلى القائمة القصيرة الأولى لمسابقة «بوكر» للرواية العربية. لم يتعامل بحقد مع فترة التجاهل التي لقيتها كتابته الصادرة في السنوات الكثيرة الماضية قبل بلوغ «التغريدة» تلك المرتبة والانتشار. ومن فيض إنسانيته لم يكن يخجل من الاعتراف لنا حين كان يقول «بقيت أشعر بفرح كبير لمّا ألقى ناس بتعرفني في أي مكان أروح إليه بسبب كتابتي».
لا تبتعد هذه الحالة الإنسانية عن حالة الطفولة الكبيرة التي كانت تظهر عليه على نحو عفوي بلا تصنع أو مبالغة. الطفولة نفسها ومسألة الاهتمام بها وقد أتت عن طريق اهتمامه وانشغاله العملي، في الحياة اليومية، كما شغله الكتابي عن حالات أطفال الشوارع. فئة قال عنها سعيد بأنها «الفئة البشرية الأرفع في بحثها عن الحريّة». سنجد هذا الأمر واضحاً في حالة «الصحوبية» التي قد يلاحظها زائر مقهى «زهرة البستان»، وهو يرى أطفالاً يأتون على نحو دائم للسلام والاطمئنان على «عمّ ميكي». هناك أيضاً حالة اهتمامه الوافرة بمجموعة كبيرة من القطط يداوم على إطعامها في ساحة «زهرة البستان» بل يسجّل يوميات تلك القطط تصويراً وينشرها على صفحته على الفايسبوك. وبخصوص كاتب «ليكن في علم الجميع سأظل هكذا» (2009) وصداقته مع أطفال وسط البلد، تبدو العلاقة ذاتها موثقة في غالبية الإنتاج الذي صنعه صاحب «فئران السفينة» (1991). سنجد هذا التوثيق في كتابه «أحوال العباد- كتابة خارج التصنيف» (2013). ربما، لو كان بيدنا وضع عنوان آخر لهذا الإصدار لكان «كتاب أطفال وسط البلد» كأنه تجسيد لحالة أرشفة مكتوبة بحبر القلب عن أطفال من لحم ودم تركتهم الحياة على رصيفها بلا أحد يسأل عنهم. لكن صاحب «الركض نحو الضوء» (1981) تكفل بهذه المهمّة وبقي تلك العين التي تراقبهم وتنتبه إليهم كما تؤرشف حيواتهم.
أكثر من هذا، إن مهمّة الأرشفة تلك تجاوزت لتشمل كل شيء له علاقة بمنطقة وسط البلد، من بشر وحجر ومقاه وبارات ومطاعم وشوارع. ينبغي الانتباه هنا لعمله الفريد «مقتنيات وسط البلد» ( 2010).
توثيق صور والأمكنة الداخلية في مساحة تلك المنطقة ووضعها في سياق قصصي فاتن. سيكون لأطفال الشوارع وكبارهم فصول كثيرة من ذلك المجلد الساحر (أتى مصحوباً برسوم للفنان المصري عمرو الكفراوي). وفي «مقتنيات وسط البلد»، سجّل مكاوي حكاية 41 شخصية مرت على هذا المكان الشهير، امتلكت مواهب حقيقية وفذة لكن زحمة الحياة وقسوتها لم تتح لها أن تظهر وتكون في الواجهة، فسُحقت تحت عجلات قطار سريع لا يرحم ولا يعطي اعتباراً لأحد. ولهذا فهو يقوم بما يشبه فعل تحيّة لهم ودليلاً على أنهم عبروا مكان وسط البلد، لكنهم لم يأخذوا حقهم منه. منهم من هاجر ومنهم من وقع في الجنون. يأتي هذا التعاطف الواضح من قبل مكاوي تجاه هذه الشخصيات لاعتقاده أنه في الأساس واحد منهم وربما كان سيصبح جزءاً من تلك المقتنيات الكثيرة ومكتوباً بقلم واحد نجح في التقاط فكرة الكتاب، لولا أن رياح الشهرة قد دقت بابه وأخذته إلى المقلب الآخر من منطقة وسط البلد بعد الانتشار الذي حققته «تغريدة البجعة»، فنال حقه من الشُهرة ولو على نحو متأخر. وداعاً مكاوي سعيد.