لا مجال هنا لمناقشة ودحض نظريّات «الرأسماليّة الوطنيّة» التي روّجت لها «الماركسيّة السوفياتيّة» لتسويغ تحالفاتها مع أنظمة معادية للشيوعيّة في العالم الثالث. وبناء لهذه النظريّة، فإن الحزب الشيوعي السوفياتي كان يجد مُسوّغات نظريّة للحفاظ على أواصر التحالف مع أنظمة كانت تقتل شيوعيّين أو تأمرهم بحلّ حزبهم.


وكانت الأحزاب الشيوعيّة تلتزم بهذه الفكرة من أجل الترويج لنمط نضال إصلاحي لا يهدف إلى تأجيج صراع الطبقات (لعلّ تأييد الحزب الشيوعي اللبناني لعهد سليمان فرنجيّة في بدايته كان من هذا المنظور). دور الرأسماليّة لم يكن وطنيّاً في تاريخنا المعاصر، والحركة الوطنية الفلسطينية لم تكن استثناء عن ذلك. بولغ كثيراً في دور البورجوازية الفلسطينية التي دفعت منذ أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات نحو تسوية استسلاميّة مع العدو الإسرائيلي.
لم يُكتب بعد عن دور البورجوازية الفلسطينية (ومن ورائها أنظمة الخليج الراعية لها أو المرتبطة معها بالـ «بزنس») في صعود ياسر عرفات وقدرته على احتكار قيادة العمل الوطني الفلسطيني. ومن المعلوم أنّ المال كان حاسماً في تقرير بروز عرفات في حركة «فتح»، وفي إصراره على خط التسوية الفلسطينيّة، وفي إجهاض العمل الثوري الفلسطيني. وهذا المال هو الذي أنتج بيروقراطية فلسطينية، والبيروقراطية تتناقض أحياناً مع العمل المؤسّساتي. هذه البيروقراطيّة هي التي حوّلت العمل الفدائي الثوري إلى عمل مكتبي مترهّل، خصوصاً في المرحلة اللبنانية من العمل الوطني الفلسطيني. وحسيب الصباغ وباسل عقل ومنيب المصري رعوا خيارات عرفات التسووية، وكان الصباغ وعقل من الدافعين نحو الحوار مع القوى الفاشيّة المتحالفة مع إسرائيل في لبنان. وكان الصبّاغ وعقل على صلة بكميل شمعون حتى في مرحلة الحرب الأهليّة عندما كان شمعون من المتحالفين مع العدو، وكانت ميلشياته تُمعن قتلاً وذبحاً في المخيمات الفلسطينية. عبد المحسن القطّان كان من البورجوازية الفلسطينية لكنه كان أكثرهم إصراراً على المشاركة الفعليّة في العمل الفلسطيني. كوّن ثروته في الكويت، حيث بدأ عمله معلّماً ثم موظّفاً في الدولة. ونشط باكراً في العمل الفلسطيني، في صف «البعث» ثم في صف القوميّين العرب، قبل أن يصبح من الشلّة البورجوازيّة القريبة جداً من ياسر عرفات. عرف القطّان كل قادة العمل الفلسطيني، من اليسار إلى اليمين، وكان من مؤسّسي منظمّة التحرير الفلسطينيّة، وكان قريباً من احمد الشقيري، واحتل مواقع قياديّة في اللجنة التنفيذيّة لمنظمّة التحرير وفي الصندوق الوطني الفلسطيني. وقد موّل الشقيري العمل الوطني الفلسطيني، الفدائي منه كما التربوي والثقافي. وكان في ذلك نادراً في نهج البورجوازيين الفلسطينيين الذين نأوا بأموالهم عن العمل الفدائي. وكان القطّان قريباً أيضاً من أقطاب الصحافة اللبنانية في الستينيّات وأثّر على التغطية المتعاطفة مع القضيّة فيها (كان له دور في مجلّة «الحوادث» في عزّها، عندما كانت مُناصرة بقوّة للقضيّة الفلسطينيّة وليس عندما تحوّلت بعد وفاة عبد الناصر إلى بوق للسادات والملك فهد).
نجح القطّان في إصراره على العمل المؤسساتي النزيه في كل ما أشرف عليه. ولعلّ ابتعاده التدريجي عن منظمّة التحرير كان بسبب ضيقه من الطريقة الاعتباطيّة والشخصيّة والزعاميّة التي أدار فيها ياسر عرفات منظمّة التحرير. لكن القطّان بقي قريباً من العمل الفلسطيني كمستشار (غير رسمي) لعدد من قادة التنظيمات الفلسطينيّة، في «فتح» وفي خارجها. كما أنّه موّل مشاريع فلسطينيّة بحثيّة مثل «مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة» و«مركز دراسات الوحدة العربيّة»، ومشاريع تربويّة وفنيّة وثقافيّة عديدة من خلال المؤسّسة التي حملت اسمه. (حتى إن عبد المحسن كان يعطي إيصالات بتبرّعات لمنظمّة التحرير إلى الأقارب مِن الأولاد في الأعياد).
انسحب القطان من «المجلس الوطني الفلسطيني» عام ١٩٩٠ اعتراضاً على مواقف عرفات من الغزو العراقي للكويت (وهو كان قريباً من الأسرة الحاكمة في الكويت، وقد انسحب معه حينها إبراهيم أبو لغد وإدوار سعيد. وأذكر أنّ سعيد كان يشكو من مستشاري عرفات في صيف ١٩٩٠ الذين كانوا يهاتفون في نيويورك محاولين إقناعه بأن لصدّام صواريخ وأسلحة سريّة ستضمن فوزه في الحرب، وكان بسّام أبو شريف من أكثر المتحمّسين، كما روى). لكن لماذا لم يعترض القطّان وغيره على عرفات في عام ١٩٧٨ عندما فشل في التحضير للغزو الإسرائيلي الأوّل للبنان، أو في عام ١٩٨٢ بعد الفشل الذريع في التحضير للغزو الكبير ونتائجه الكارثيّة على النضال الفلسطيني لتحرير فلسطين؟ كان هناك في سجلّ عرفات ما هو أسوأ بكثير من موقفه من الغزو العراقي للكويت. لكن هذه هي حدود البورجوازيّة الفلسطينيّة المرتبطة بمصالح دول الخليج. لكن القطّان على الأقل، بقي محافظاً على ولائه العام للقضيّة الفلسطينيّة فيما انصرفت باقي البورجوازيّة الفلسطينيّة عن القضيّة، بل عادتها في الكثير من الأحيان.