في لقاء جمعنا معها، عادت تانيا صالح الى الأسباب التي حمسّتها على خوض تجربة جديدة: «أحببت هذه المرة أن يكون للرسم دور فعلي في الألبوم. في أعمالي السابقة، لم تكن هذه العلاقة عضوية. لذا أردت أن أخوض هذه التجربة الجديدة وأن أتوجّه أكثر الى العرب لأننا جزء من شيء يُفترض أن يكون أكبر مما نعيشه هنا. لدي تساؤلات حول التقاطع الذي نحن عليه. أودّ أن أعرف أي اتجاه سنسلكه.


تقاطعت أفكار شعراء عدة تكلّموا عن الشيء نفسه، منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الآن. فالمشاكل هي نفسها مثل الطائفية والتشدد وفقدان الهوية والجهل وعدم القدرة على التواصل مع الآخر. اخترت كل واحد من بلد، من تونس ولبنان وسوريا واليمن ومصر، فلسطين والعراق... وكان العمل ثمرة سنة ونصف السنة من الأبحاث. كتبت بدءاً كلمات أغنيتين «لا سلام ولا كلام» و«كيف بروح». ثم اتضح لي أنني لن أتمكن من الكلام عن بلدان عربية أخرى كما قد يفعل ابن البلد، فرحت أبحث عن شعراء معاصرين تطرقوا الى تلك الأمور. الاغنيات تحاول من جهة أن تظهر بعض الأمل خصوصاً حيال الجيل الشاب. هناك مشروع لتشتيتتنا. إما أن نحاربه بالثقافة والعلم والفكر أو أن نقبل به».


رسوم الغرافيتي من إنجاز صالح بالتعاون مع بعض الفنانين العرب


الى جانب الموسيقى والنصوص الشعرية التي تعكس أفكار صالح، رغبت الأخيرة في رسم صورة عن الشارع العربي أدّت بها الى النزول إليه وتفقّد ما ينتجه الشباب من رسوم غرافيتي هي خير دليل على هذا الواقع: «هم من جعلني أهتم بالموضوع. هناك فنانون يرسمون في الشارع وينتجون أعمالاً فنية رائعة، تعرضها مهرجانات فنون الشارع العالمية. ولكن للأسف، في بعض البلدان كمصر، بعضهم يُسجَن. كما أن الرسوم قد تُمحى في اليوم التالي في بلدان عربية أخرى. أذكر أنني رسمت لوحة في أوسلو وعدت بعد فترة لأكتشف أنها ما زالت كما هي، بل أُضيفت اليها بعض المعلومات حول اسم الرسام وتاريخ الرسم والموضوع».
يتألف ألبوم «تقاطع» من 13 أغنية، معظمها من ألحان تانيا صالح، إضافة الى مشاركة لخليل جدران (الموزع الموسيقي للألبوم). أما النصوص، فجميعها لشعراء عرب بارزين، باستثناء اثنين من كتابة صالح نفسها. من تلك النصوص: «فرحاً بشيء ما» لمحمود درويش، و«خناقة مع الله» ليونس الابن، و«سنحلم» لنازك الملائكة، و«أنا ليليت» لجمانة حداد، و«القصيدة الدمشقية» لنزار قباني، و«الشرق» لبيرم التونسي، و«عجبي» لصلاح جاهين وغيرها. في أغنية «أنا ليليت»، نسمع صوت جمانة حداد تلقي شعرها. عن هذا الخيار تقول صالح: «هي الوحيدة بين الشعراء التي ما زالت على قيد الحياة. هي صديقة عزيزة أيضاً. تمثل المرأة العربية القوية المتحررة التي لديها ما تقوله، سواء أحببت ما قالته أو لا. ليليت كانت زوجة آدم الاولى، وكانت شخصيتها قوية، لذا استُبعدت واستُبدلت بحواء. من المهم جداً أن نسمع صوت المرأة في مجتمعاتنا وأن تكون شريكة في صنع القرار».
أما رسوم الغرافيتي، فهي من إنجاز صالح بالتعاون مع بعض الفنانين العرب نذكر من تونس الخطاط أشرف عبد العظيم والفنان مود جيبا، ومن المغرب الخطاط باسيك أيوب والرسام أمين براش. أما في لبنان، فقد لجأت الى ويل ويليامز. الى جانب الأغنيات، هناك فيلم قصير مدته 15 دقيقة من إخراج إيلي فهد، أشبه بكليب جامع لكافة أغنيات «تقاطع»، نتابع فيه الفنانة طوال عملية إنجازها الألبوم. في هذا الصدد، تقول: «لم أرد أن أرسم لوحة لكل قصيدة، بل أردتُ أن تعبر الرسومات عن فكرة الألبوم ككل.

المشاكل هي نفسها مثل الطائفية والتشدد وفقدان الهوية والجهل

فالرسوم هنا لتطرح الأسئلة. في إحداها، نرى عاملة أجنبية انتحرت. أليس هناك من أحد يودّ التحدث عن هذا الموضوع الإنساني؟ فهي مشكلة منتشرة في مجتمعاتنا العربية. ثم هناك قضية الدين الذي يجعلك تختفي كامرأة. لا أرى أي مقطع في القرآن يقول إن المرأة عليها أن تكون مغطاة بالأسود من رأسها حتى أخمص قدميها. تتحول الى شيء، لا وجود له، يتحرّك فحسب. أبسط الأمور في الحياة لا يمكنها فعلها، هي في سجن دائم متنقل». أما الكليب الموحّد للألبوم، فوُلد من فكرة ترابط الأغنيات وتقاطعها. كان صعباً اختيار شعر بدلاً من آخر بالنسبة الى صالح: «أريد أن أقول كل شيء. نرى في الكليب العملية منذ البدء حتى النهاية. لذا الريشة والميكروفون يشكلان شعار الالبوم، اشارة الى هذه التجربة السمعية البصرية. فالناس يملون بسرعة. لا يمكن أن نكرر الشيء نفسه دائماً».
من الناحية الموسيقية، بعد ابتعادها عن الروك، والميل الى الرومانسية في الالبوم السابق، تنتقل صالح هذه المرة الى الإلكترونيك، رغبة منها أيضاً بالتغيير. فهي تحب السير على خطى الموسيقيين الذين تحبهم والذين كانت لهم مراحل موسيقية عدة: «هؤلاء من يحترمهم تاريخ الموسيقى لأنهم تجرأوا على الخروج من دائرة الأمان والمخاطرة. التاريخ يظهر أن من لم يخاطر، بقي مكانه. يجب دائماً أن يكون لدينا ما نقوله، وأن يهم الجيل الجديد. ألبوم «شوية صور» ما زال يمثل ما أحبه أنا، ولكن لا يمكنني أن أكمل في فعل ما يعجبني وحدي. عليّ أن أفّكر أيضاً في الناس الذين سيصغون. كما أنه لا يمكننا أن نكمل الحديث عن الأمور نفسها التي لا تهم مثلاً إلا اللبنانيين. فمصيرنا مرتبط بالمنطقة. نفكر في أولادنا وما الذي ينتظرهم في المستقبل. ما هو المشروع؟». تركيبة صوت الألبوم العام إذاً إلكترونية، كما أنّ هناك تأثيرات صوتية من التلفزيون والراديو ومن الواقع. من ناحية أخرى، نسمع أيضاً الكثير من الآلات الأخرى الحقيقية أيضاً، خصوصاً الشرقية، كالعود، والناي والطبلة والرق، إضافة الى البايس والكمان.

اختارت نصوصاً لدرويش، نازك الملائكة، نزار قباني، بيرم التونسي، صلاح جاهين

برغم التساؤلات والمواضيع الحساسة التي لا تكفّ صالح عن طرحها، فالتفاؤل لا يغيب عنها: «ما زلت متفائلة بلبنان بشكل عام. نحن في موقع قوة. هناك توازن قوة، يمنع لبنان من دخول الحروب». ماذا لو كانت الفنانة تعيش في بلد غير لبنان، فهل كانت ستجد هذا الكم من المادة والإلهام الضرورين لمسيرتها؟ تجيبنا: «لا أعتقد. إن كنت أعيش في السويد، عمَ كنت لأتحدث؟ ربما كنت سأصنع نوعاً آخر من الاغنيات. كنت سأركّز على الـ «فوكاليز» على الارجح أكثر من الكلام عن الوضع. لكن أظن أن من يتمتع بشخصية مماثلة، لا يعجبها شيء، قد يجد دائماً ما يعطي رأيه فيه. الا أنه ما من شك في أن لبنان يعطيك أفكاراً أكثر من أي مكان آخر في العالم. والأهم هو وجود حرية تعبير. لم نكتشف مدى أهمية ذلك إلا عندما رأينا ناساً ماتوا من أجل هذه الحرية في البلدان العربية والعالم».
قد يكون التوازن الجميل بين المضمون واللحن السهل من أبرز ما يجعل أغنيات صالح جذابة للسمع. ويأتي ذلك من باب حرصها على تمرير الافكار والكلام بطريقة يفهمها الكل ويرددها. هو في نظرها «لحن سهل، ولكنه يشبهنا. اللبناني خليط من الكثير من الامور. وهذا المزيج هو ما أريد أن أصنع منه الموسيقى. نحن جزء من أمور عدة والموسيقى عليها أن تشبه كل هذه الامور، وإلا فستكون تقليداً. معظم ما هو في السوق وصفة يتبعها الكل، من الكلمة الى اللحن والشكل. أما بالنسبة الى التوزيع، فيلحق موضة الموسم. هناك الكثير من الفنانين يحاولون خلق موسيقى جديدة نابعة من بلدنا على غرار ياسمين حمدان و«مشروع ليلى»، وتوفيق فروخ، وشربل روحانا، وابراهيم معلوف، إضافة الى أعمال زياد الرحباني الذي هو أستاذنا كلنا، والاخوين الرحباني المدرسة الكبرى وغيرهم. قلة هم من صنعوا شيئاً مختلفاً. الباقي يقلّد».