لا شيء لافتاً ونادراً اليوم إلا الفعاليّات والاجتهادات العفويّة. عدا كونها صادقة، فهي تفاجئك بقدرتها على إحداث تأثير في الناس العاديّين. تأثير لم نفكّر فيه أو نعطيه حقّه ضمن حساباتنا، فالعصف العراقي الكبير أبعد الفرد عن الانتباه لتفاصيل صغيرة، تصنع قدرها في لحظة خاطفة، ويمكن أن تكون، لاحقاً، جزءاً من الحل الشامل، فيما لو أخذت حيزها كقوّة ناعمة تكبر شيئاً فشيئاً.


نعم هي أفعال ضعفاء إزاء أقوياء يملكون الأدوات كلّها، لكنّها (أي الأفعال) تحفر في محيطها وتترك بصمتها، ومن ذلك ما يلاقيك مصادفة، مثل «عتّال» في شارع الرشيد، يقف وسط الطريق هناك، ويحتجّ بطريقته الخاصّة والمثيرة أيضاً. لا ينتظر كاميرا فضائية أو مكسباً ما، يمضي بيومه غير باحث عن أضواء ولا شهرة.
نعم، المكتوب على الـ «تي شيرت» الذي يرتديه المواطن أحمد نكه أحمد، كان مفاجأة في سياق النسق الرتيب الذي عاد لاستخدامه في الفضاءات العامّة أغلب الفاعلين في الطبقة السياسيّة العراقيّة، ممثّلاً بدعايات انتخابيّة مبكرة تضجّ بالخداع والاستعراض الباهت. بدا أحمد حقيقيّاً يحمل رسالته على جسده، وهو يضع كلماتها على صدره وظهره، رسالة فيها اختصار للحصيلة العراقيّة من تجربة الـ 14 عاماً الماضية، حيث سوء الاختيار الشعبي أفضى إلى نتيجة أسوأ للحال القائمة.
كتب على الوجه الأوّل من الـ «تي شيرت»: «كن عراقياً غيوراً ولا تنتخب فاسداً بنى القصور من أموالك.. ودمّر عراقك....لا تكن جاهلاً اصنع عراقاً جديداً».
وعلى الوجه الثاني: «انتخب من المستقلّين من أبناء الحمولة والنزاهة والاخلاص وأهل السيف والشجاعة والعلم والخبرة حفاظاً على أبنائك.. ومستقبل العراق بيدك».
يمرّ من أمام عربة أحمد مئات بل آلاف البشر يوميّاً، بحكم أهمية الشارع وعراقته (تأسّس عام 1910)؛ فهو أهمّ مركز تجاري في بغداد يضمّ مجمّعات ومخازن لمختلف أنواع السلع والبضائع. ما أن يعبر المارّ في «الرشيد»، حيث المكان التاريخي بأبنيته التراثيّة المهملة، لا يمكن له تجاهل الاشهار العفوي لأحمد من دون وقفة أو تأمل سريع.
لدى أمثال أحمد يقين ثابت بقيمة ما يفعلونه، حتّى وإن قلّل آخرون من أهمية ذلك، وبالبساطة نفسها التي وضع فيها بيانه لعامّة الناس، يقول: «إنّها دعوة شخصيّة مني لمواجهة الدمار، ولكي أشعر بأنّي أحاول تغيير شيء في البلد»، عبارة مختصرة تدعونا لأن نحتفي بهذا الدرس الأخلاقي الذي يقدّمه أحد العراقيّين، ممن لم تُمحق طاقة الأمل لديهم.