قبل عام تقريباً، أطلق «مركز بيروت للتصوير BCP» أنشطته التي تسعى إلى وضع بيروت على الخارطة الفوتوغرافية العالمية. الجمعية التي أسّسها المصور باتريك باز ومدير مكتب السياحة في باريس سيرج عقل، والمصوّر ميشال زغزغي، والمصورة ألين مانوكيان، تهدف إلى تعزيز موقع الفوتوغرافيا كفنٍّ بصري أساسي في بيروت عبر الندوات والمعارض واللقاءات وورش العمل.


يهتمّ القيمون بإشكاليات الصورة، وبالواقع التي تعانيه الصورة الصحافية، وظروف المصورين والعقبات التي تواجههم.
خلال السنة الفائتة، استقبلت الجمعية ندوات ولقاءات في أماكن مختلفة من بيروت، من بينها لقاء الصورة خلال الحرب الأهلية اللبنانية بعدسة ثلاثة مصورين، وندوة «أهمية الالتزام بالأخلاقيات في التقرير المصوَّر» للمصور السوري عمار عبد ربه، ومدخل إلى الفوتوغرافيا، ولقاء حول القانون اللبناني للملكية الفكرية في الفنون البصرية والفوتوغرافيا قدمها كل من ألين مانوكيان والمحامي والمصور سيرج نجار. هذه الرؤى والتطلعات نحو إيجاد تجمع للمصورين الفوتوغرافيين، بتجاربهم المختلفة، التقت أخيراً مع المصوّر ديمتري حدّاد الذي يملك «استوديو A+» (التابع لغاليري «آرت لاب») في شارع الجميزة في بيروت. أما النتيجة، فهي مشروع مشترك هو A+BCP الذي افتتح قبل أيّام بمعرض جماعي لمصوّرين لبنانيين. يضمّ الفضاء الجديد مقهى مخصصاً للقاءات وللعمل بين المصورين، إلى جانب استديو يقدّم فيه ديمتري ورش عمل، ومكتبة تحوي أرشيفاً تخصصياً فوتوغرافيّاً، وصالة عرض.
الحديث مع مانوكيان وباتريك باز وديمتري حداد يدلنا إلى الرؤى والأفكار التي تهدف إلى تأمين مساحة للمصورين في لبنان. هكذا يقوم التعاون بينهما على ورش عمل، وندوات حول الصورة، ومساحة للتلاقي بين المصوّرين والمهتمين بالفوتوغرافيا. يقول باز «إن معظم المصوّرين المتخرجين حديثاً لا يجدون مساحة فور تخرّجهم». خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ازدهرت الصورة الصحافية تحديداً، لكن الساحة الفوتوغرافية في لبنان اليوم تشهد تجارب مختلفة لشبان وشابات يأخذونها إلى أماكن جديدة. بالنسبة إلى ديمتري، فإن على الصورة ألا تتكئ على الحروب والكوارث فقط لتظهر. هكذا تتوجه رؤيته إلى دعم الصور غير الظرفية. أن تصبح هناك منصة خارجة عن نطاق الظروف الكارثية والحروب، بل مهتمة بالفوتوغرافيا كفن.

تنشغل ميريام بولس بعلاقة
الشباب بأجسادهم، وتسقط هذه
العلاقة على المدينة
تتفادى الغاليريهات البيروتية في كثير من الأحيان، عرض الصور الفوتوغرافية بشكل يضاهي اللوحات التشكيلية مثلاً. بالطبع هناك أسباب كثيرة لذلك، بعضها متعلّق بثقافة الصورة، وبعضها بالسوق الفنية التجارية وما تفرضه على الغاليريهات. إلى جانب هذه الظروف، لا تزال الفوتوغرافيا في لبنان محكومة بالتجارب الفردية.
تولي ألين مانوكيان أهمية كبيرة للتعاون بين المصوّرين والتلاقي بينهم والتحاور. هذا ما فعله A+ وBCP منذ البداية مع المعرض الذي قرّب ستة مصوّرين مختلفين وأصحاب تجارب متنوّعة مع بعضهم. يحوي المعرض أعمالاً لميريام بولس، وفادي بوكرم، وديمتري حداد، وبلال طربيه، وجورج يزبك والزميل مروان طحطح. الفنانة ميريام بولس، التي رأينا أعمالها في مهرجان «فوتوميد» سابقاً، تعرض سبع صور من مجموعتها «الهروب» (2017). تتمحور الصور حول سؤال أساسي بالنسبة إلى الفنانة اللبنانية يرتبط بعلاقة الشباب مع أجسادهم، قبل أن تسقط هذه العلاقة على المدينة. في صورها، يقف الشباب والشابات عراة أو شبه عراة. يتمدّدون أو يقرفصون ويمشون في فضاءات خارجية من بيروت، أمام شجرة أو سيارة أو أبنية وعلى الشارع. الغبش والظلال، والإطار المهتزّ أحياناً، تسهم في فتح هذه العلاقة الحميمية مع الجسد على المدينة واستكشافاتها... لتقوم صورتها، رغم جماليتها على الأسئلة الكثيرة المتعلّقة بالمدينة وبكياننا الجسدي داخلها. من لبنان، سافر فادي بوكرم إلى أميركا، للبحث عن المدن التي تحمل اسم لبنان. هناك، عثر على حوالى 50 مدينة ومنطقة تحمل هذا الاسم. وفيما اختفى بعضها تماماً، بقيت بعض المدن والمناطق منها تحافظ على اسمها ووجودها. زار فادي حوالى 40 منها في رحلة استمرت حوالى خمسة أشهر في ولايات أميركية مختلفة، ليصوّرها ويستكشف حيواتها. عرف بو كرم لاحقاً أن الرئيس اللبناني كميل شمعون كان قد دعا سبعة ممثلين من هذه المدن والبلدات إلى لبنان عام 1955، وأهدتهم زوجته زلفا شمعون شجر أرز. في المعرض، هناك صور من هذا المشروع، إلى جانب صور من تركيا وسان فرانسيسكو. في اللبنانات الكثيرة التي زارها، يركّز بوكرم عدسته على ملامح الحياة اليومية للناس التي يظهر في بعضها جانب فقير وبائس، كما يصوّر الشوارع والسكان بين التوثيق والـ street photography. الزميل اللبناني مروان طحطح يعرض صوراً من مشروعه «خلف الحجاب» حول الحجاب والعلاقة الفردية معه. يستند إلى قصة حقيقية، لشابة خلعت الحجاب ليوم واحد، لكنها عادت لترتديه لأسباب كثيرة من بينها الضغوط العائلية. تجربة دفعته إلى إعادة تمثيل هذه الحادثة لكن أمام عدسة الكاميرا. بالأبيض والأسود، تتجاوز الصور وجه الفتاة الذي يبقى متوارياً ومختفياً طوال الوقت. يستخدم طحطح إضاءة وخلفية سوداء ليصوّر الفتاة التي لا نرى منها إلا يديها وجسدها أحياناً وشعرها الذي تخفف الإضاءة الشحيحة من وجوده.
فادي بوكرم سافر إلى أميركا،
فعثر على 50 منطقة تحمل اسم لبنان
هناك لقطات أيضاً للحجاب بمفرده وللدبابيس ولثياب لا يمكن أن ترتديها في الخارج.
من ناحية أخرى، يعرض ديمتري حداد مجموعته الفوتوغرافية من مشروع The Fleece الذي نتج من إقامة فنية في برمينغهام. المدينة البريطانية التي شهدت اختراع أوّل آلة لغزل القطن، صارت اليوم وجهة التسوّق الأولى في بريطانيا. يلتقط ديمتري، بالأبيض والأسود، صوراً للمحلات والمتاجر الكبيرة في المدينة البريطانية التي صارت تستورد الآن ثيابها من آسيا الشرقية. يسلّط المصوّر الضوء على التحوّل الذي شهدته برمينغهام منذ الثورة الصناعية حتى الآن. إذ أنه يلصق فوقها أقمشة شفافة قام بطباعة بعض النقوش الملوّنة عليها يدوياً. في الافتتاح، شاهدنا أيضاً عروض صور على البروجيكتور للمصورين، مثل «مدغشقر ـ الحرب ضد لصوص الماشية» لبلال طربيه، الذي عرض أيضاً صورة واحدة له من مجموعته التي تتمحور حول فوتوغرافيا الشارع، وفيها نرى الغرافيتي التي رسمها يزن حلواني لفيروز على أحد جدران الجميزة. كذلك هناك صور لبيروت ولأبنيتها ولسمائها وبعض ملامحها المجتزأة بالأبيض والأسود للفنان اللبناني جورج يزبك من مشروعه «أحاديث صامتة». أما برنامج هذا التعاون بين A+ وBCP، فهو يكتمل تدريجاً، إذ إن الموعد الثاني سيكون لقاء مع المصور اللبناني فلاديمير انطاكي للحديث عن تجربته الفنية عند السابعة من مساء الخميس المقبل في A+BCP-arty، على أن تدعو لاحقاً مصورين عالميين.

يستمر المعرض حتى نهاية كانون الثاني (يناير) ــ استوديو A+ BCP (الجميزة ــ بيروت). للاستعلام: 03/132594