بعد مرور أربعين يوماً على وفاة الأم ورحيل المعزّين، ندخل (الجمهور) «البيت» حيث نتعرّف إلى ثلاث شخصيات: الأخت الكبيرة ناديا (يارا أبو حيدر)، والأخت الأصغر ريم (جيسّي أبي خليل)، والأخ نبيل (طارق يعقوب). تلك هي حبكة «البيت» الذي يعدّ التجربة الإخراجية الأولى للراقصة والممثلة كارولين حاتم. أما النص، فهو لأرزة خضر التي كتبته في إطار ورشة نظمها مسرح «الرويال كورت» عام ٢٠٠٨.


في هذا البيت الذي سيجمع مجدداً الأخوة الثلاث المختلفين في الطبائع والسلوكيات، تتداخل الإشكاليات وتتحرك الخلافات النائمة، والعوالم الراقدة حتى تصل إلى الدعاوى القضائية، وختم البيت بالشمع الأحمر. فريم العائدة إلى بيت الطفولة، كانت قد تركته في سنّ الـ26. هي شخصية متمردة وجريئة سئمت مزاج أمها العكر، ولم تعد تحتمل الصراخ والزعيق واتهام أمها وأختها لها بأنها سبب موت أبيها. هكذا، تركت المنزل وراحت مع حبيبها الذي ينتمي إلى طائفة أخرى. هي تتمنى التخلص من البيت/ ماضيها وهدمه. أما ناديا، فهي امرأة جميلة محافظة ومتمسكة بالبيت، لم تترك أمها وحيدة بعدما توفي والدها جراء قذيفة سقطت في المطبخ. تتمسك ناديا بماضيها ولا تتقبل انفتاح أختها. هي «دراما كوين» لبنانية، ملتزمة بشعار «العذاب والتعب والهمّ للمرأة»، وتبتز ريم عاطفياً كلما سنحت لها الفرصة. أما الأخ نبيل، فيساير الأختين، ويتخذ دوماً موقفاً حيادياً لتفادي المشاكل.


حبكة محكمة وعناية بالتفاصيل وواقعية في الأداء

ديناميكية العلاقة بينهم غير متساوية، فريم تشكل المحرك الأساسي لخلق الإشكاليات ولتطور الفعل في النص/ العرض. يبيّن النص جوانب متعددة من واقعنا اللبناني المعاش بسلاسة وواقعية من دون ابتذال. الحبكة محكمة وسلسة، واللغة المحكية واقعية، تتناغم مع أداء الممثلين المتين، حتى إنّ الكلمات البذيئة، لم تكن اعتباطية، بل جاءت خدمةً لسياق العمل. وأخيراً، بدا الإخراج في خدمة النصّ أيضاً؛ مولياً عناية بالتفاصيل التي تتجلّى في إدارة الممثل وتأنٍّ في بناء الشخصيات وإدخال عناصر جمالية وإيحائية لها ذات أبعاد درامية. واقعية التمثيل خلقت تماهي الجمهور في العرض وقربت الشخصيتين المتضاربتين إلى القلب، بخاصة في اللحظات الحميمية المنفردة، فيما حملت العناصر البصرية/ النصيّة رموزاً جمالية ودلالات ذات أبعاد درامية. مثلاً، في أحد المشاهد، نرى ريم مبعثرة تفتش عن «أغراضها الشخصية» المشتتة بين بيتها وبيت أهلها، ومنذ البداية تطرح معضلة «أين بيتي؟». يلتقط كل من ناديا ونبيل ثياب ريم المبعثرة على الأرض كأنهما يحرصان على إعادة وضع «الأغراض» في مكانها، كأنهما خاضعان لحالتها الفائضة عليهما، ومُشتركان في عملية شقلبتها لانتمائها.
أما ناديا التي لم تخلع عنها ثياب الحداد، وبعد صدمتها بالبلاغ على الباب المختوم بالشمع الأحمر، فتدخل البيت عنوة. وعلى غير عاداتها، تضع أحمر الشفاه... أحمر الشمع الذي لم يُجسد بصرياً على الخشبة إلا بأحمر شفاه ناديا. تصبح هي البيت. هذا الأحمر/ الختم يجتاحها رويداً رويداً فتعتلي شعرها وردة حمراء. بعدها وبعد مرور الوقت على المحاكم حول البيت ومعرفتها ومعرفتنا أن البيت سيُهدم ليمرّ مكانه أوتوستراد، ترتدي فستاناً أحمر، كأن الشمع الأحمر غمر البيت كله وأصبح شبحاً قبل أن يُهدم.
الملفت في العرض هو مكانة الجسد، إذ نراه أحياناً بوجود مختلف عن سياق وجوده العام في العرض. تُمايل ناديا جسمها بتردد وحيدة في البيت كأن رغبة ما غير مفهومة تنتابها في أوائل العرض. ثم نرى ريم ترقص - أيضاً بعزلتها- متأرجحة بحوضها بارتياح وجرأة تفتقدهما ناديا. اختلاف علاقة كل من الأختين بجسدها ملحوظ.
أما اللحظة الثالثة لتراقص الأجساد، فهي لحظة اللقاء الحقيقية الوحيدة في العرض للأختين رغم اختلافهما. تصل ناديا لتفاجأ بريم في البيت ترقص بمتعة وتدعوها للانضمام إليها. هنا نشهد على اتصال ناديا بجسدها وأنوثتها كأنها ولوهلة نسيت الرقابة الذاتية وأطلقت العنان لنفسها. نرى الرقصة/ اللقاء تنتهي ببهجة غير معتادة للأختين. كأن ريم نجحت لبرهة في جرّ ناديا إلى عالم مجهول لها، لم تتجرأ على دخوله في السابق. عالم يحتّم التزام المرأة حدوداً رسمها لها مجتمع محافظ وأثقلها بالقيود.
لعلّ كارولين حاتم وأرزة خضر تدعوان المرأة إلى التمثّل بريم، والتجرؤ على مساءلة المفاهيم والقيم الموروثة وخضِّها.

«البيت»: حتى ٢٤ شباط (فبراير) ـــ «مسرح مونو» (الأشرفية – بيروت) ـــ للاستعلام: 01/202422