يصعب التعاطي مع الميزوجينية (كره النساء) في الفلسفة بصفتها فقط أحد مظاهر التمييز ضد المرأة عبر التاريخ. الفلسفة التي هي، بتعريف دولوز، «اختراع مفاهيم»، مسؤولة عن تأمين أرضيّة نظرية لجميع المجالات الأخرى، بما فيها الدين، وهو ما سنراه، على سبيل المثال، في العلاقة بين فلسفة أرسطو والفلسفة المسيحية، لا سيما في نظرة الأخيرة إلى المرأة.


لكن على الرغم من أن الفلسفة تمثّل عباءة للمجالات الفكرية الأخرى، يظلّ أساسياً أن نأخذ في الاعتبار الظروف الاجتماعية والثقافية قبل الحكم على نتاج أي فيلسوف. من هنا، يُعدّ كاريكاتورياً مثلاً، الحكم على فلسفة الطبيعة عند هيغل وفقاً لخصائص عصر الذكاء الاصطناعي، أو الانطلاق من نظريات الجندر عند جوديث باتلر لتقييم نظرة الفلسفة الإغريقية الدونية للمرأة، أو مناقشة مكانة المرأة عند نيتشه من منظور الصوابية السياسية السائدة حالياً. فمثلما تحمل الفلسفة تأثيراً هائلاً على ما حولها، هي ابنة زمانها أيضاً، كما أن نظرة شاملة على نتاج بعض الفلاسفة سيجعلنا نلاحظ ازدواجية في موضوع المرأة، تُظهرهم تارةً منصفين لها ومتقدّمين على بيئتهم، وتارةً لا يعترفون بحقها في التحرر.

ذكرٌ غير خصب

لعلّ أوّل تعبيرٍ في تاريخ الفلسفة يرمي إلى التقليل من شأن المرأة، يعود إلى سقراط حين قال «النساء يولّدن الأجساد، أما الفلاسفة فيولّدون الأرواح». تلك كانت مهمة المرأة شبه الوحيدة، في وقتٍ كانت الحياة العامّة حكراً على الرجال، فيما تقتصر حياة النساء على الحيّز الخاص داخل المنزل. بالنسبة لموقف أفلاطون، فهو لم يكن واحداً. اعتبر أن الرجل «كائن كامل» وبالتالي بإمكانه فقط «أن يسعى إلى الكمال المطلق». أما المرأة، فلا يمكنها إلا أن تسعى «لتصبح رجلاً»، ما يمثل الكمال بالنسبة لجنسها. لكن أفلاطون عُرف أيضاً في «الجمهورية» بدعوته إلى إلغاء العائلة، ما ينهي ملكية الرجل للمرأة، كما أنه في جمهوريته يمكن للمرأة تحصيل العلم تماماً مثل الرجل. وعلى الرغم من ذلك، كان تلميذ سقراط يرى أن الرجل هو فقط من يُخلق من قِبَل الآلهة، كما أن «هؤلاء الذين يعيشون حياتهم باستقامة يعودون في الحياة المقبلة كنجوم»، وفقاً لنظريته في التقمص، في حين أن «هؤلاء الذين يعيشون بغير استقامة سيرجعون إلى الحياة كنساء». أما أرسطو، فكان صاحب الأثر الأكبر تاريخياً، في التنظير لدونية المرأة، وهي النظرية التي لاقت أثراً كبيراً في العصور اللاحقة. مستنداً إلى فلسفته عن «الهيولى والصورة» (Hylemorphism)، اعتبر أرسطو المرأة «من جانب الهيولى» (أي المادّة)، فيما يقع الرجل إلى جانب «الصورة». فالمرأة أدنى من الرجل، لكونها تنطوي على نقصٍ طبيعي، وهو أنها لا تستطيع أن تقدّم حيواناً منوياً يحتوى على الكائن الإنساني بأكمله، بحسب أرسطو. فالرجل والمرأة حين يمارسان الجنس، يقدّم الرجل الجوهر (أو الروح)، فيما تقدّم المرأة الغذاء لهذا الجوهر فقط. من هذا المنطلق، مثّلت المرأة، بالنسبة لأرسطو، «ذكراً غير خصب». ويقول في كتاب «السياسة»: «إن طبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى، هي أن الذكر متفوق والمرأة متدنية، ما يجعل من الذكر قائداً، فيما تكون الأنثى تابعة».

الرجل رأس المرأة

في التراث اليهودي ـ المسيحي، يشكّل الفصل الثاني من رواية الخلق (ٍسفر التكوين 2) في العهد القديم، أساس النظرة الدونية للمرأة. في الفصل الأول يرد أن الله «خلق الإنسان على صورته». أما في الفصل اللاحق، ففيه سلّط الله آدم على جميع المخلوقات، وخلق حواء من ضلعه. هذه الرواية تشكل قاعدة لتفوّق الرجل الذي «سيعمّده» القديس بولس في العهد الجديد في رسائله الشهيرة بعدائيتها للمرأة: «رأس كل رجل هو المسيح، أما رأس المرأة فهو الرجل، الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة الله و مجده، وأما المراة فهي مجد الرجل، لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل» (كورنثوس 11). ولعلّ كثيرين بيننا استمعوا لهذا المقطع من رسالة بولس التي تُتلى أثناء الأعراس: «أيها النساء إخضعن لرجالكن كما للرب، لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة (...) ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كل شيء» (أفسس 5).
في القرن الثالث عشر، وضع توما الأكويني فلسفةً حول الاختلاف الجذري بين طبيعة إنسانية للذكر وبين طبيعة إنسانية للأنثى. ورث القديس الإيطالي هذه الفكرة من أرسطو (الروح هي شكل الجسد ــAnima forma corporis)، ما يجعل هناك «خصوصية نفسية» للرجل وأخرى للمرأة، واضعاً جداراً فاصلاً بين الجنسين. هو اعتبر أن الرجل مختلف عن المرأة لأنه «موجّه إلى العمليات الفكرية». وفي كتابه Summa theologica، أكد توما الأكويني أن المرأة خاضعة للرجل لأن العقل يهيمن لدى هذا الأخير، كما يأتي تفوّق الرجل من كونه «خُلق أولاً»، ولأن المرأة خُلقت كمساعدة للرجل على التكاثر. فلسفة الأكويني هيمنت على أوروبا المسيحية، وهي لا تزال حتى اليوم مرجعية لدى المفكّرين المسيحيين في نظرتهم للمرأة، وأبرزهم الفيلسوفة الألمانية إديت شتاين (طوّبت قديسة عام 1998).

المرأة دائماً امرأة

مثّلت لحظة ديكارت حدّاً فاصلاً في الفلسفة وجسراً نحو الحداثة. فصلت نظريته بين العقل والجسد، ما شكّل قطعاً نهائياً مع الفكرة الأرسطية عن أن الجسد والروح هما واحد، وبالتالي أصبحنا أمام فكرةٍ ستخدم المرأة، هي ببساطة أن العقل لا جنس له. إن دماغ الرجل، بالنسبة لديكارت وتلاميذه، مساوٍ لدماغ المرأة، ويعملان بالطريقة ذاتها. كما كان الفيلسوف الفرنسي من الأوائل الذين علّموا النساء الفلسفة. وبالرغم من هذا الأثر، تتجه بعض النسويات، مثل سوزان بوردو، إلى اعتبار أن فلسفة ديكارت العقلانية، مثل معظم المدارس الفلسفية مرتبطة بالذكورة ومؤسسةً لحداثة تتجه علومها وأفكارها بشكلٍ واضح نحو الرجل.


يظلّ لشوبنهاور ونيتشه الأكثر شهرة في عدائيتهما تجاه المرأة

وبرغم تلك اللحظة وما تلاها من محاولات فلسفية لرجال ونساء تدعم المرأة، بدا إنسان عصر «الأنوار» في ما بعد، ذكراً أكثر من كونه أنثى. فالحقبة التي جعلت «الإنسان» مركزاً لفلسفتها، لم تكن منصفة تجاه المرأة.
بدءاً من كانط الذي أجاب على سؤال «ما هي الأنوار»، بأنها خروج الإنسان من القصور إلى الرشد العقلي، كان يعتبر أن النساء «لا يصلحن لأمورٍ كثيرة كبرى، فهنّ لسن مصنوعات للتفكير، بل أكثر اتكالاً على الحدس من العقل، وهنّ كائنات حساسة تهيمن عليها المشاعر».
أما روسّو، فرأى أن المرأة أضعف من الرجل، وأكثر اتكالاً عليه. هو صاحب العبارة الشهيرة إن «الرجل يكون أحياناً رجلاً، أما المرأة فهي دائماً امرأة». ما يبرز بالنسبة له، طغيان الهوية الجنسية على المرأة فقط. كما أن الرجل، بالنسبة له، يريد المرأة لكنه ليس بحاجة لها. أما المرأة فهي تريد الرجل وبحاجة له أيضاً. واعتبر روسّو أن المرأة ذات طبيعة مختلفة تماماً عن طبيعة الرجل، ما ينتهي بإقصائهن عن الشأن العام والسياسة. بالنسبة لهيغل، «النساء قادرات على التعلّم، ولكنهن غير قادرات على العمليات التي تتطلب ملكات كونية مثل العلوم المتقدمة، الفلسفة، وبعض أشكال الإنتاج الفني. النساء يضبطن أفعالهنّ ليس وفقاً لمتطلبات الكونية، ولكن وفقاً لآراء ولميول اعتباطية». وبالانتقال إلى القرن التاسع عشر، رأى الفيسلوف والمؤرخ الفرنسي جول ميشليه في كتابه «المرأة»، أن مصير هذه الأخيرة هو «خدمة الرجل»، «فهي مريضة في غالب الأحيان، وعلينا أن نحميها». أما كيركيغارد، فقد قال على لسان أحد الكتّاب الوهميين الذين كان يكتب باسمهم أحياناً، أن «المرأة نكتة، لأنها تعتقد أنه بإمكانها الوصول إلى المثالي، في حين أنها تُظهر أنها غير قادرة على ذلك».

لا تنسَ السوط!

وعلى الرغم من أن هذه النظرة الدونية للمرأة هيمنت على أعمال معظم الفلاسفة، يظلّ لشوبنهاور ونيتشه الحصة الأكبر في هذا المجال، كما أن صيتهما ذائع في العدائية تجاه المرأة. كان شوبنهاور يرى أن المرأة «ذات عقلٍ أكثر ضعفاً وأقل قدرة على فهم المبادئ». عاش الفيلسوف الألماني وحيداً ومات وحيداً، وأثّرت حياته الشخصية على فلسفته التشاؤمية. لم ينجح لمرّةٍ في جذب امرأة انجذب إليها، بل كان مظهره سبباً لنفور النساء منه. كما أنّ الشخصية القوية التي تمتّعت بها والدته، أثرت في مسيرته وأفكاره المتطرفة. رأى شوبنهاور أن «وحده الذكر حين يحثّه دافعٌ جنسي، سيكون قادراً على اعتبار الجنس القاصر، ضيّق الكتفين، عريض الردفين قصير الساقين، هو الجنس المطلق». أما النساء اللواتي، برأيه، «من المضحك تخيّلهن في منصب قاضٍ»، فهنّ صالحات فقط لأن يكنّ «ممرضات، ومعلمات لطفولتنا المبكرة، لأنهن على نحو دقيق، صبيانيات، سخيفات، قصيرات النظر، أي بكلمة واحدة، طفلات كبيرات طوال حياتهنّ». لم يعترف خلال الجزء الأكبر من حياته، بوجود الحبّ، وكان يعتبر أن لقاء الرجل والمرأة «يأتي فقط خدمةً لاستمرار النوع»، إذ إنّ هناك رغبة لاواعية تدفعنا باتجاه شخص بعينه، فنظن أننا وقعنا في الحب، لكن ما نريده في الواقع هو أن ننجب منه أطفالاً أصحاء.
بالنسبة لنيتشه، من منّا لم يسمع بعبارة «إذا ذهبت إلى المرأة لا تنسَ السوط»؟ لعلها الجملة الأكثر شهرةً للفيلسوف الألماني، وهي العبارة التي وضعها في فم زرادشت في رواية «هكذا تكلم زرادشت». خلف هذا القدر من الميزوجينية، اشتهرت علاقة نيتشه بصديقته لو سالومي، التي لم تبادله مشاعر الحبّ ورفضت الزواج منه أكثر من مرة، بالإضافة إلى علاقته المتوترة بأمه وأخته. «من البداية، لا شيء أكثر غرابةً بالنسبة للمرأة، نفوراً وعدائية، أكثر من الحقيقة. فنّ المرأة الأكبر هو الكذب، وأكبر همّاً لها هي المظاهر والجمال». كما كان يرى أن الدعوات النسوية إلى تحرير المرأة «تعبير عن استياء بعض النساء حيال البعض الآخر، تحديداً أولئك اللواتي يتمتّعن ببنية جسدية أفضل لحمل الأطفال». كذلك، كان «فيلسوف القوة» يرى أن «المرأة بحاجة إلى دين ضعفٍ يمجد أن نكون ضعفاء، محبين، متواضعين»، فهي «تحوّل القوي إلى ضعيف وتنتصر عندما تنجح في التغلب على القوي». كما أنها «تآمرت دائماً مع كل صور الانحلال ضد الرجال الأقوياء»، بالإضافة إلى تبنيه في كتاب «Der Antichrist» أن «المرأة هي مصدر كل الشرور».