اعتلى «بيلاطس البنطي» خشبة «المركز الثقافي الروسي» بدءاً من أول من أمس. العرض (إخراج طلال درجاني ــ أداء خالد العبدالله/ بيلاطس البنطي، هشام أبو سليمان/ متى، وماجد زغيب/ المسيح) مقتبس عن رواية «المعلم ومارغاريتا» للكاتب الروسي بولغاكوف الذي يصوّر فيها الواقع الروسي العنيف في العشرينيات والوقائع في الرواية القديمة بين بيلاطس البنطي والمسيح. تستهلّ العرض مقطوعة «المارش السلافي» لتشايكوفسكي التي تضعنا في نفَس السرد التاريخي، حيث تدور أحداث المسرحية في القرن الأول للميلاد.


نحن في مدينة أورشليم ــ محافظة سوريا الرومانية ـــ نشهد على لقاء المسيح ببيلاطس البنطي، الحاكم الروماني لليهودية بعد إصداره حكماً بالموت على المسيح. قرار يستصعب بيلاطس البنطي اتخاذه، مما يجعلنا شاهدين على صراعه ومعاناته وتردده وتشظّيه طوال مدة العرض. تارة، يخاطب نفسه في عزلته مأخوذاً بعظمة العرش، وطوراً مهزوزاً بصحوة ضمير أمام شخص المسيح الطوباوي المقهور.
المسيح موجود على الخشبة طوال فترة العرض لكنه لا يتكلم، نسمع صدى صوته بعض الأحيان بـ «فويس أوفر» في هلوسات البنطي. بدا الــ «فويس أوفر» متنافراً مع السياق العام للعرض، فيما كان ممكناً تفاديه كونه يتعارض مع وجود المسيح الصامت المتقبّل والخاضع لقدره.
بالنسبة إلى المخرج طلال درجاني، فـ «بيلاطس البنطي هو كل حاكم معاصر في أنظمتنا العربية يقف إلى جانب الصهاينة المحتلين لفلسطين. انساق بيلاطس من جبنه مع المجمع اليهودي. المعاصرة في الموضوع هو المفهوم التقليدي للمتآمر على أورشليم/ القدس، وحق الشعب الفلسطيني الذي يتمثل بالمسيح من ناحية وطنية، إنسانية، لا دينية. الدم الذي سال على الصليب جراء ظلم ما زال قائماً حتى اليوم».


سرد عذابات المسيح يذكّرنا بالصور العنيفة التي نتعرض لها يومياً في الإعلام

عناصر السينوغرافيا تموضعنا في أنحاء مختلفة من المدينة، حاملة دلالات رمزية كلاسيكية جاءت لخدمة الفكرة: قصر بيلاطس منصة خمرية اللون كأنها مرتكزة إلى الدم. يحرك بيلاطس مياهاً تصبح عكرة، يغسل يديه بها، فتتحول المياه إلى دم. عرشه المتفكك، حتى بعد رحيله من القصر، قائم على بركة دم... رموز جمالية بصرية لجأ إليها المخرج لإيصال فكرته.
ينتفض جسد بيلاطس البنطي مع أول ضربة سوط يتلقاها المسيح. إنه الخيط الأول للخط الثنائي التناقضي المسيِّر للعرض وليس فقط على مستوى المضمون، وإنما أيضاً على مستويات أخرى: تتشظّى مواقف البنطي مع تصاعد صراعه، يتعاطف مع المسيح ويحاسبه بسخط مدافعاً عن عدم حقه بانتقاد السلطة. يبكي بمرارة، ويضحك بجنون عظمة السلطة. أما متّى، فيستنجد بالله لتسريع موت المسيح من أجل تخفيف آلامه وإنهاء عذابه، ثم يشكك برحمة الله وعطفه، معبراً عن يأسه جراء عدم استجابته، ثم قناعته بأن الله ظالم.
هذه الثنائية في مواقف الشخصيات تنعكس على التمثيل. تجسيد الشخصيات جاء ستانيسلافسكياً في التركيبة الداخلية، وما يلفت الاهتمام هو الميكانيكية الجسدية التي تتطلّب تمثيلاً متماسكاً متلاعباً بالتناقضات إلى حد الجنون. ثنائية العوالم والشخصيات ليست ببعيدة عن التناقض الذي يهيمن على الوضع الراهن في العالم العربي والعالم أجمع. نحن في حالة انفصام يومي أمام ما يجري: نرفض واقعاً ظالماً، نصمت جبناً، نراقب ضعفنا أمام القوى السياسية الضارية ولا حيلة لنا سوى المشاهدة. نتلكأ ونمشي مع التيار كأن شيئاً لم يحدث.
يعلق بيلاطس في دوامة ذنب، يحاسب نفسه من جديد، يشتم أورشليم بتكرار ويحمّلها الذنب. يأتي سرد تفاصيل معاناة المسيح الجسدية والتوقف عند تعداد جروحه ولكماته كأنه تذكير للصور العنيفة التي نتعرض لها يومياً في وسائل الإعلام، لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي حتى أصبحت حساسيتنا تجاهها معدومة. نتوقع تطوراً ما في الأحداث، إلا أننا نعلق نحن أيضاً مع بيلاطس ومتّى والمسيح الصامت في دوامة لا تنتهي. إيقاع الإعادة والتكرار متعب بعض الشيء. يطول العرض. العنف يطول. يستعيد المرء حقيقة مرّة: عنف مطحنة التاريخ البشري منذ الأزل يحثّ الرائي على الهروب والتخلص من مشاهدة واقع لا يرغب في أن يذكّره مُجدداً بأنه شاهد عليه، ولا أن يتأكد بأنه متورط به ومتواطؤ معه. إيقاع الإعادة: دوامة عنف لا متناه، دوامة ذنب لا متناه، ولا مجال للهروب.
الإلقاء الصوتي جميل جداً يطالنا بعمق، يحملنا، يمرجحنا ويطفو بنا، فنملأ فضاء المكان أو ننسى أننا في المسرح. ألوان الصوت متعدّدة بتعابيرها: وجع، ذل، معاناة، مناجاة...نسمع تضارب المشاعر في القصة. مناجاة للسلام تنسي المشاهد ذل الإنسانية وذنوبها. بالإلقاء الصوتي لخالد العبدالله، نسمع كلمات لم يتفوه بها.
هو تذكير آخر من طلال درجاني بتواطؤ الأنظمة العربية حيال الاحتلال ضد الفلسطينيين. هو رفض الظلم غير المقبول به ضد إنسانية الإنسان. هل ستصل صرخة بيلاطس البنطي مناجية السلام؟ أم أن بيلاطس قابع في كل نفس تعتلي عرشاً، فتخسر سلطة الحرية لتخدم السلطات السائدة؟

«بيلاطس البنطي»: حتى 8 نيسان (أبريل) ـــ مسرح «المركز الثقافي الروسي» (فردان) ــ للاستعلام: 03/752797