تتعامى خطابات إحياء الذكرى الخمسين لانتفاضة أيار 68 عمداً عن سياقاتها الدولية الجيوسياسية والجيوثقافية. تتضح خلفيات هذا التعامي عند تحليل السردية ذات البعد الواحد التي باتت سائدة عن هذا الحدث المحلي/العالمي: هي هبة شباب غادروا لتوهم المراهقة ضد السلطوية والقيم الاجتماعية والسلوكية البالية «الموروثة من المجتمع البطريركي» ومن أجل المزيد من الحريات والحقوق الفردية والجماعية والمساواة بين الرجال والنساء وحقوق المثليين الخ... احتلت هذه المطالب بطبيعة الحال حيزاً هاماً بين مطالب المنتفضين، لكن التركيز الحصري عليها يشي برغبة الساردين بإفراغ الانتفاضة من مضامينها المعادية للرأسمالية والإمبريالية وبنفي الصلة الوثيقة بينها وبين ثورات التحرر الكبرى التي عصفت ببلدان الجنوب. والحقيقة أن هذه الثورات في أطراف النظام الدولي، التي ألحقت هزائم مدوية بقوى المنظومة الاستعمارية القديمة والجديدة، كانت بمثابة زلازل داخل بنية النظام ضربت إحدى موجاتها الارتدادية، أي انتفاضة أيار 68، دوله المركزية.

من فلسطين إلى الجزائر... المقاومة تعني الوجود

النقاش حول المولّدات الفعلية لأيار 68، والإصرار على طغيان المحلية منها على الدولية، وثيق الارتباط بمعركة ايديولوجية - سياسية بدأت منذ ثمانينيات القرن المنصرم في دول الغرب، وبينها فرنسا، حول دور الاستعمار في التاريخ العالمي المعاصر وتداعياته على بلدان ومجتمعات الغرب والجنوب، واحتدمت مع تصويت البرلمان الفرنسي على قانون تتضمن فقرته الرابعة إشادة «بالجوانب الإيجابية للاستعمار» عام 2005. تطوعت مجموعة من الثوريين التائبين، وجلهم من المشاركين في الانتفاضة الربيعية، لتبييض سجلات أوروبا «التنوير والحضارة» الدامية في جنوب العالم وإلقاء اللائمة على شعوبه وقواها السياسية وثقافاتها ومعتقداتها في ما آلت إليه أحوالها. شكل صدور كتاب باسكال بروكنير «دموع الرجل الأبيض»، إيذاناً بانطلاق حملة فكرية - إعلامية، شنتها أجهزة الدعاية والترويج الغربية، واحتلت فيها موقع الصدارة مجموعة «الفلاسفة» الجدد الفرنسيين كأندريه غلوسكمان، وآلان فلكنكراوت، وبرنارد هنري ليفي وساهم فيها روائيون من أمثال البريطاني من أصول هندية ف.ٍس.نايبول، وجان كريستوف روفان وعشرات المثقفين والخبراء والمفكرين، وقفوا وقفة رجل واحد دفاعاً عن سمعة الديمقراطية الغربية باعتبارها أفضل النماذج السياسية - الاجتماعية الممكنة. واعتبر هؤلاء أن الصراع الوجودي بين الديمقراطية الغربية، أو الرأسمالية البرلمانية، وما أسموه يومها «الخطر الشمولي»، الاتحاد السوفياتي وكتلته الاشتراكية، هي قضيتهم الرئيسية، وأن الدفاع عنها يتطلب مواجهة الحجة الأقوى لخصومها، التي تفضح وجهها المظلم، وهي العلاقة العضوية بين تطورها وازدهارها والتوسع والنهب الاستعماريين.
النقاش حول المولّدات الفعلية لأيار 68 وثيق الارتباط بمعركة أيديولوجية - سياسية بدأت منذ الثمانينيات


توفي المجاهد ابراهيم عمر فانون، وهو الاسم الذي عرفه به إخوانه الجزائريون، أو فرانز فانون بالنسبة إلى الآخرين، حوالي سبع سنوات قبل انتفاضة أيار 68، لكن ليس من المبالغة القول إن كتابه المرجعي «معذبو الأرض» أعاد صوغ وعي الأجيال الشابة والأقل شباباً عبر العالم وداخل المركز الغربي عن طبيعة العروة الوثقى بين شقاء وعذابات المستعمَرين ورخاء ورفاه المستعمِرين. يقول فانون: «الأمم الأوروبية غارقة في رخائها الفاضح والمخزي الذي نهض فوق ظهور العبيد وارتوى من دمائهم وامتص موارد الأرض وباطنها في العالم الثالث. إن رفاه وتقدم أوروبا قاما على جثث الأفارقة والعرب والهنود والشعوب الصفراء. قررنا ألا ننسى ذلك بعد الآن… إنّ ثروات الدول الإمبريالية هي ثرواتنا. لقد صنع العالم الثالث أوروبا بالمعنى الحرفي للكلمة». قد يرى البعض، خاصة بين الليبراليين المغفلين العرب، أن فانون بالغ في تقدير أهمية النهب الاستعماري في النهضة الاقتصادية والعلمية والصناعية التي شهدتها أوروبا، وأن هذه الأخيرة تعود إلى حيوية النظام الرأسمالي وفضائل ديمقراطيته. سيتسع أفق هذا البعض إن اطلع على الحجج التي أوردها أنصار التوسع الاستعماري خلال القرن الذي سبق لكسب تأييد الرأي العام له في بلدانهم. ألكسي دو توكفيل، إحدى أيقوناتهم الفكرية ومؤلف كتاب «عن الديمقراطية في أميركا»، والذي كان من أبرز رموز «الحزب الاستعماري»، شرح بإسهاب في كتابات كثيرة ومداخلات أمام الجمعية الوطنية الفرنسية كيف ستنجح فرنسا بالتحول الى قوة كبرى اقتصادية وسياسية إن حذت حذو بريطانيا واختارت الشروع بالتوسع الاستعماري.
وإذا كان التقدم والرخاء وتأمين الشروط الضرورية للاستقرار السياسي الداخلي والسلم الاجتماعي في بلدان الغرب، قد ارتبطت جميعها بالمشروع الاستعماري، فإن ثورة الشعوب المستعمرة ونجاح بعضها في انتزاع استقلالها بالقوة، سيكون لها وقع جسيم على الاستقرار السياسي والاجتماعي. ففي الحالة الفرنسية مثلاً، أدت هزيمة الجيش الفرنسي أمام الثوار الفيتناميين ومن ثم اندلاع الثورة الجزائرية إلى تداعي نظام الجمهورية الرابعة والانتقال الى الجمهورية الخامسة ونظامها الرئاسي، وإلى تفكك الإجماع الأغلبي داخل الرأي العام حول ضرورة «الاحتفاظ» بالمستعمرات بأي ثمن وإلى انقسامات واضطرابات داخلية ومحاولات انقلاب واغتيالات. وقد أظهرت حرب الجزائر وحشية الديمقراطية الاستعمارية التي ارتكبت أبشع جرائم الحرب والقتل الجماعي والتهجير والاعتقال والتعذيب المعمم والاغتصاب، اندرج أغلبها في إطار استراتيجيات مكافحة التمرد التي بلورها ضباط فرنسيون بعد تجربتهم في حرب الهند الصينية ومنهم الكولونيل روجيه ترانكييه صاحب كتاب «حول الحرب الثورية». وقد امتدت استراتيجية مكافحة التمرد الى الأراضي الفرنسية ضد الجزائريين الذين باتوا عرضة لعمليات قتل وتنكيل واسعة النطاق، أبرزها مجزرة السابع عشر من تشرين الأول 1961 التي ذهب ضحيتها المئات منهم. لقد أدت حرب الجزائر، التي استمرت ثماني سنوات إلى تشكل تيار معارض جذرياً للحرب جله من الشباب، ومنهم من ترك الحزب الشيوعي الفرنسي لأنه ــ رغم معارضته للحرب ــ لم يؤيد بوضوح استقلال الجزائر. سيكون لهؤلاء، الذين تكونت تجربتهم السياسية خلال معارضتهم الناشطة للحروب الاستعمارية، مساهمة حاسمة في تشكيل مجموعات اليسار الراديكالي، الماوي والتروتسكي، ذات الباع الأكبر في انتفاضة أيار 1968. وجوه بارزة في هذه الانتفاضة كآلان باديو، الفيلسوف الماوي، او كآلان كريفين ودانييل بن سعيد التروتسكيان، مروراً بمئات المناضلين، سلكت هذا المسار. الوضع كان أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة حيث شكلت معارضة حرب فيتنام ورفض المشاركة فيها، الدافع الرئيسي للانتفاضات والتظاهرات الطلابية والشبابية والشعبية التي ضمت مئات الآلاف أي إن البعد المعادي للإمبريالية كان طاغياً على الأبعاد الأخرى.

تماهت بعض المجموعات الثورية مع حركات التحرر الوطني وانضمت إليها كما فعل الجيش الأحمر مع الثورة الفلسطينية


تيارات اليسار الجذري اعتبرت أيضاً أن النموذج المجتمعي البديل من الرأسمالية يتم بناؤه في بعض دول الجنوب. هذه التيارات كانت تعتبر أن النموذج السوفياتي لم يعد اشتراكياً بل أصبح «دولة عمالية مشوهة» حسب التروتسكيين أو رأسمالية دولة حسب الماويين. عقدت الآمال على الصين أو على كوبا، ومن بعدهما نيكاراغوا باعتبارها التجارب الاشتراكية الحقة. بغض النظر عن صحة أو دقة التحليلات والتقييمات التي قدمتها هذه المجموعات، فإن منطلقاتها الفكرية، أي التماهي مع الشعوب المستعمرة الثائرة ضد المنظومة الإمبريالية، تشكل قطيعة جذرية مع فكر وخطاب وسياسات هذه المنظومة. وقد ذهبت بعض المجموعات الثورية في التماهي مع حركات التحرر الوطني الى درجة الانضمام إليها كما فعل الجيش الأحمر الياباني مع الثورة الفلسطينية أو تشكيل مجموعات مسلحة داخل دولها وضرب المصالح الأميركية والإسرائيلية كما فعل الجيش الأحمر في ألمانيا المعروف باسم منظمة بادر-ماينهوف أو منظمة العمل المباشر في فرنسا. عرفت هذه المجموعات عن نفسها بأنها امتداد لحركات تحرر شعوب الجنوب داخل دول المركز الامبريالي.
لقد تغير العالم كثيراً منذ خمسين عاماً وأضحت دول في الجنوب أقطاباً سياسية واقتصادية صاعدة على المستوى الإقليمي والدولي، إلا أنّ بعضه الآخر ما زال ساحة مواجهات مفتوحة مع القوى الإمبريالية قد تتسبب بزلزال لا يمكن التنبؤ بنتائجه.