المناضل الفرنسي جان - مارك رويان (1952) لا يندم. عبارة واحدة لأسبوعية «الاكسبريس» كلفت قائد منظمة «العمل المباشر» عامين ونصف العام، مزيدة على عقدين في زنزانة فرنسية عبر فيها السنين ما بين ١٩٨٧ حتى ٢٠٠٨. لم يندم جان- مارك رويان لا على تصفية منظمة «العمل المباشر» للجنرال رينيه اودرون رجل تجارة السلاح الفرنسي مع العراق، ولا على قتل جورج بس بعدما شرع في تفكيك أكبر القلاع الصناعية والعمالية الفرنسية وتخصيصها. جان-مارك رويان لا ينسى أيضاً جورج ابراهيم عبدالله، ولا السنوات التسع التي جاور فيها «مثال المناضل الثوري الذي لم تهز الزنازين قناعاته» ولم يندم هو أيضاً. لن يتخلى عن قضية رفيقه الثوري اللبناني ولن ينزل راية النضال من أجل حريته. من تجربة «العمل المباشر»، يعود رويان للتحدث عن الاحتفال بأيار ٦٨ ونقد السردية التي سادت عنه بأنه انتفاضة طلابية ضد التسلط ونظام القيم السائد ومن أجل الحريات الفردية وكفى. أيار ٦٨ «الآخر الذي يجري تجاهله عمداً، كان نقطة انطلاق للتيارات الجذرية المعادية للإمبريالية».

أيار ٦٨ لدى البرجوازية هو مناسبة لطيفة انتفض فيها الطلاب، من دون بعد راديكالي (ريمي أرتيج)

«إن الاحتفال بأيار بعد نصف قرن، هو كالعادة فرصة لإعادة كتابة التاريخ، وأيار ٦٨ لدى البرجوازية هو مناسبة لطيفة انتفض فيها الطلاب، من دون أيّ بعد راديكالي. يصرون على حصر أيار بعام انطلاقه في ١٩٦٨، علماً أنّ مفاعيله استمرت حتى عام ١٩٧٣. دام أيار ٦٨ الإيطالي زمناً مشابهاً أيضاً. اعتقد أنّ أيار ٦٨ كان الأزمة الأكبر التي تعرضت لها الرأسمالية الامبريالية خلال الستينيات. فقد جرت انتفاضات كثيرة في الولايات المتحدة حيث هبت الغيتوات السوداء، واندلعت مقاومة عمالية واسعة وجهت ضربات قاسية للبرجوازية. في أيار ١٩٦٨، كنت لا أزال فتى يافعاً في السادسة عشرة من عمري، لكن مع جيلي كنا متأثرين بنضال مجاهدي جبهة التحرير الوطني في الجزائر، واكتشفنا كيف كانت الدولة الفرنسية تقتل وتعذب وتعمل على إبادة الشعب الجزائري. كل الهزات التي تعرضت لها الإمبريالية الفرنسية كنت حاضرة في ضمائرنا ووعينا. لذلك، فإن اختصار ذلك بانتفاضة طلاب غير صحيح على الإطلاق. ولنتذكر تجمع ٢٢ آذار في نانتير تأييداً لشابين هاجما بالمولوتوف مقر «الأميركان اكسبريس» في أيار ٦٨ تضامناً مع الشعب الفيتنامي».
لا يمكن فصل أيار ٦٨ عن تلك النضالات التي كانت تجتاح العالم، ومقاومة العمال والشعوب المضطهدة، الذين طبعوا الأزمة الكبيرة للرأسمالية. إنّ أيار ٦٨ نفسه ليس سوى لحظة من تلك النضالات. كانت لحظة مهمة جداً تجذرت فيها الشبيبة الأوروبية لكي تعي ضرورة قلب هذه البرجوازية.
«وسط هذا الغليان كله سمع الطالب الثانوي، الذي كنته آنذاك، بفلسطين للمرة الأولى في حياته. في أيار ٦٨، كنت طالباً في بلدة في أقاصي الريف الفرنسي عندما التقيت بفلسطين. كانت لجان فلسطين قد بدأت تتشكل في ضاحية نانتير الباريسية، وراحت المناشير والبيانات المؤيدة للقضية الفلسطينية توزع في فرنسا كلها على يد المناضلين في قلب أيار. وكانت قد بدأت بالظهور بعد «معركة الكرامة» في الأردن في آذار عام ١٩٦٨ التي كانت حدثاً مهماً جداً بالنسبة إلينا».
هل توافق على أن أيار ٦٨ هو الوعاء الذي ستتبلور فيه أولوية النضال ضد الإمبريالية وتتحول إلى خط الافتراق داخل اليسار الأوروبي وهي اللحظة نفسها التي سيتعزز فيها الجناح المعادي للإمبريالية داخل هذا اليسار. جناح سيعتبر نفسه، منذ ذلك الحين رأس حربة النضال ضد الإمبريالية في القارة الأوروبية؟
«نعم، وطيلة الستينيات كانت الحركات المعادية للإمبريالية قد برزت، وظهرت أولى المجموعات في ألمانيا في إطار «الجيش الأحمر». وكانت قد بدأت عملياتها قبل أيار ٦٨ ضد الحرب في فيتنام. كانت الجذرية آنذاك تعني عدم الفصل بين النضالين ضد البرجوازية والإمبريالية. كان ذلك بديهياً. كنت طالباً في السادسة عشرة من العمر وعضواً في لجنة العمل الطلابي. التحقت بمجموعة راديكالية، كان ذلك طبيعياً لأنني كنت أعيش في مدينة قريبة من الحدود مع إسبانيا التي كانت لا تزال تعيش في ظل ديكتاتورية فرانكو الفاشية. تلقائياً، التف المناضلون حول مجموعات مقاومة الفرانكية خارج إسبانيا والكفاح المسلح في قلب إسبانيا. كان ذلك وضعاً شديد الخصوصية أن تعيش أيار ٦٨ في مدينة على بعد ٨٠ كيلومتراً من دولة تحكمها الفاشية. كان واضحاً أنه لا يمكن فصل لجوئنا الى السلاح عما كان يجري في المانيا وايطاليا، وتضامننا مع فيتنام وفلسطين وفي ما بعد بسنوات مع الشعب الشيلي ضد الانقلاب العسكري عام ١٩٧٣».
إن المجموعات التي ستختار القطيعة الكاملة مع النظام القائم، وتتبنى الكفاح المسلح في أوروبا، ستفعل ذلك في إطار رؤية سياسية واستراتيجية تفكر أنّ العالم واحد، وأنّ كفاح «الجيش الأحمر الألماني» هو طليعة كفاح العالم الثالث في قلب القارة الأوروبية.
«طبعاً. لم يكن هذا موقفنا في البداية، لكنه تطور على هدى المعارك، وكنا قد قرأنا تشي غيفارا الذي كان يقول إنّ دورنا في المراكز الإمبريالية مهم جداً لدعم نضالات الشعوب المضطهدة. تدريجاً، عندما بدأت البرجوازية بتوحيد العالم واستغلاله مع العولمة، أصبحنا ندرك أنّ الجزء الأكبر من الطبقة العاملة يعيش في دول العالم الثالث. كان دورنا كمقاومة ضد الإمبريالية والرأسمالية، أن نتمفصل مع نضالات الشعوب المضطهدة. وبفضل التضامن مع نضال الشعب الفيتنامي، كنا نكتشف مقاومة الشعوب في الشرق الأوسط. كان لا بد للبرجوازية أن تفرض الصمت في أوروبا كي يتسع المكان لها وترتكب جرائمها في الشرق الأوسط وغيره. ونحن نرى استشراس الامبريالية هناك بعدما هزمت الحركات الراديكالية في أوروبا منذ عقدين. لقد رأينا ذلك في يوغوسلافيا وليبيا وسوريا. لقد استشرسوا ويريدون غزو كل شيء. إنّ مصير إعادة الاستعمار الجارية لا ينفصل عن نشاطنا أو تقاعسنا عن العمل في أوروبا».
بعدما هزمت الحركات الراديكالية في أوروبا، استشرست الإمبريالية في يوغوسلافيا، وليبيا وسوريا


تأسست منظمة «العمل المباشر» على يد مناضلين جاؤوا من مشارب مختلفة عام ١٩٧٧، أي إنّها جاءت متأخرة عن حركات الكفاح المسلح الأخرى في أوروبا، نفذت حتى اعتقال جان-مارك رويان بعد عشرة أعوام، أكثر من ٦٥ عملية، بعضها ضد أهداف إسرائيلية وأميركية، خصوصاً خلال حصار بيروت عام ١٩٨٢، وبعده. لكن «العمل المباشر» ولدت من تجارب الكفاح المسلح التي شهدتها فرنسا مبكراً بين مجموعات ثورية ماوية وفوضوية واستقلالية عمالية، اجتمعت بشكل خاص حول مناضلين فرنسيين وآخرين جاؤوا من بلدان مختلفة، كالجزائر والمغرب وأمميين حقيقيين.
«كانت عملياتنا الاولى تهدف الى اظهار التضامن مع فلسطين ولبنان. لم تكن «العمل المباشر» مجموعة متجانسة ايديولوجيا، رغم اجتماع من فيها تحت راية العداء للرأسمالية والامبريالية، كانت جبهة أكثر منها منظمة. منذ البداية، كنا نعرض على اليسار الثوري الأوروبي ضرب القواعد الاميركية، والمصالح الاسرائيلية في أوروبا، والتحرك عملياً وعدم الاكتفاء بالكلمات والبيانات. كانت مركزية الكفاح ضد الامبريالية مهمة جداً بالنسبة الينا، تضامناً مع فلسطين ومع الشعوب ضحية الامبريالية. كان لذلك معنى خاص في فرنسا، حيث أنّ الشريحة العمالية الأكثر تعرضاً للاضطهاد لم تكن بيضاء ولا فرنسية، لكنها تتحدر من المستعمرات الفرنسية في بلدان الجنوب، لا سيما أنّ ٦٠ في المئة من العمال الأدنى مرتبة في المصانع الفرنسية كانوا من العرب. كانت نصوصنا الأولى توزع بالفرنسية والعربية لأننا كنا نجد أنّه من الضروري العمل على تحرير الشعوب المضطهدة، من خلال زعزعة استقرار الامبريالية في عقر دارها كي نفرض عليها التراجع عن غزواتها في المستعمرات».
اتهمت بشكل خاص بتصفية الجنرال أودرون والمدير العام لشركة «رينو» جورج بس، لماذا؟
«كان الجنرال رينيه أودرون أعلى ضابط فرنسي في قيادة حلف شمال الاطلسي، بالرغم من أنّ فرنسا لم تعد رسمياً عضواً فاعلاً في قيادة «الناتو». كان أودرون مشرفاً على تجارة الاسلحة الفرنسية، خصوصاً خلال الاعتداء الامبريالي ضد ايران من خلال العراق. أثناء الحرب العراقية - الايرانية، يتحمل أودرون مسؤولية جريمتي حرب، بإشرافه مباشرة وأولاً على تسليح بغداد بطائرات «سوبر اتندار» قصفت بصواريخها مدينة طهران، وثانياً عندما سلم بنفسه مدافع «تومسون» الفرنسية الى العراق، وقد استخدمت لإيقاف هجومين ايرانيين. هذا الرجل ارتكب جرائم حرب في العراق، ولا أجد حاجة للاستزادة والتحدث عن دوره في تزويد العراق بأسلحة كيماوية للتصدي لموجات الهجوم الايراني. أما بالنسبة إلى رب العمل جورج بس، فقد تم ضربه لدوره الكبير والأساسي في تصفية وتخصيص المؤسسات المؤممة كشركة «رينو» وقبلها «الكاتيل»».