في لحظات تخلٍّ تمرّ بين الحين والآخر، يتكرم هذا المُخادع المدعو تاريخاً على واحدة من سنواته بقيمة رمزية مكثفّة، فيصنع من أرقامها الأربعة حافزاً لاستعادة مشاهد ومشاعر عن أحداث ملتهبة، عادة ما تكون كما لو أنّها خلل فني استثنائي في خضم مسار تصاعدي لنهر من التحولات بدأ قبلها واستمر بعدها. وبينما يقهقه هذا المخادع ملء شدقيه، يحدث أن تلك السنة يغرّها الثناء، فتأخذ مسار حياة أخرى مستقلة بذاتها كما أسطورة تغذيها روايات المنتصرين أو شهادات المشاركين مدّعي البطولة.

فعلها التاريخ مرات كثيرة: في الثورة الفرنسية 1789، وفي الثورة الروسيّة 1917، وفي نكبة فلسطين 1948، وفي لبنان 1975. لكن 1968 تبقى اليوم الرمز الرقمي الأقوى بين تلك السنوات، بالنظر إلى أنّ جيلاً كاملاً عايش تلك المرحلة شاهداً أو مشاركاً، ما زال يعتقد بأن أحداث تلك السنة تحديداً قد غيّرت حياته. هذا الجيل لم يكن بالضرورة مجرد طلاب ساخطين أو كافكاويين «هيبيين» كما تريدنا وسائل إعلام اليمين أن نعتقد، بل كانوا أيضاً فدائيين وضباطاً ومثقفين ومزارعين ومهمشين خاضوا مواجهات باسلة على جبهات عدة عبر العالم ليس في فرنسا فحسب، بل أيضاً في بريطانيا وايرلندا الشماليّة وألمانيا وتشيكوسلوفاكيا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال والتشيلي والمكسيك والولايات المتحدة وغيرها. وعلى مدى سنوات، انتهت جميعها بالهزيمة التامة، ربما مع استثناء حفنة المقاتلين الفيتناميين الذين نجحوا في إذلال الإمبراطورية الأميركيّة، وأيضاً الفرنسيّات اللواتي حصلن على الحق بارتداء البنطلون في أماكن العمل، وهي انتصارات أقرب إلى الخسارة منها إلى النصر.
أحداث أيّار (مايو) 1968 الباريسية كانت في الحقيقة نقطة عالية التركيز في خضم أزمة سياسيّة شاملة أصابت عالم الأيديولوجيات الشاملة على ضفتي العالم القديم الغربيّة والشرقيّة معاً. غرباً، تحولت اعتصامات مطلبيّة للطلاب ـــ بدأتها مجموعات غير يساريّة ـــ إلى تحدٍّ شامل لكل أشكال السلطة التي سهرت المخابرات الأميركيّة على تمكينها في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي الشرق، كان النظام السوفياتي الستاليني يحاول جاهداً مواجهة جهود أميركيّة مكثفة لدعم تململ شيوعيي تشيكوسلوفاكيا وبولندا ومحاولات نقل موجات التّمرد في ألمانيا الغربيّة إلى شرقها.
لكن المواجهة التي تقف وراءها دائماً الإمبريالية الأميركية كانت أكثر دمويّة بما لا يقاس في أميركا اللاتينية والهند الصينيّة، حيث سقط مئات ألوف الضحايا في الجبهات المفتوحة من فيتنام إلى تشيلي مروراً بأندونيسيا والمكسيك، وحتى داخل الولايات المتحدة بعد تصاعد الصدامات مع الأميركيين من أصل إفريقي عشيّة اغتيال مارتن لوثر كينغ.
لم يمتلك الطلّاب تلك الفترة نظريّة سياسيّة متكاملة، فأطلقوا شعارهم الباريسي المشهور «كل السّلطة للخيال». لكن فورتهم السريعة لم تكن لتؤذي الاقتصاد الرأسمالي، فهبّت السلطات لقمعهم بقسوة أحياناً قبل أن تتغير الأحوال لحظة انخراط العمال في المعركة عبر سلسلة واسعة من الإضرابات ومن احتلال المصانع داخل مدن أوروبيّة كثيرة ـــ ما عدا ألمانيا التي ترُكت فيها الحركة الطلابيّة لتواجه مصيرها منفردة. كانت تلك بارقة أمل كما الحلم للطبقة العاملة العالمية لإقصاء اليمين عن الحكم في دول كبرى واستعادة المبادرة التي فقدتها بعدما دمّرت الستالينية ألق ثورة لينين، بينما يتولى الأميركيون مباشرة أو عبر أنظمة عميلة تصفية الحراكات اليسارية عبر العالم. حتى المؤرخون اليمينون تحدثوا وقتها عن أسابيع أو أشهر حرجة عاشتها أنظمة كثيرة في تلك الفترة، كادت تتسبب في تولي الطبقة العاملة لمقاليد الأمور إذا لم يتم حسم الأمور سريعاً. وهكذا كان...
قِصر نظر اليسار ومثاليته المفرطة، وسوء تقديره للأمور، وتشرذمه وتردده وغموض القيادة فيه، وانعدام ثقته بالقدرة على تحدي الهيمنة الأميركية، وإدمانه الدائم للخسارة... كلّها تظافرت لتمنح الأنظمة الرأسماليّة المساحة والوقت لاسترداد أنفاسها واستعادة زمام الأمور، فكانت استجابتها للتحدي ثنائيّة الاستراتيجيات بحسب الحالة: القمع الماحق وسفك الدماء بلا رحمة، أو فكفكة هندسة الحراكات وإدارتها من خلال تفعيل أدوات الهيمنة ـــ الناعمة إذا شئت ـــ وفي كثير من المواقع، خليطاً ساماً من كلا الاستراتيجيتين معاً.
في المكسيك (2 تشرين الأول/ أكتوبر 1968)، حوصر الطلاب المتظاهرون وأطلقت النار عليهم بلا تمييز، فقُتل المئات وجرح الألوف واعتقل كل من حاول الفرار واختفى كثيرون منهم من دون أثر. كانت تلك مجرد تجربة لبحر دماء كانت الولايات المتحدة تخطط له سعياً لإسقاط حكم الرئيس سيلفادور آليندي في تشيلي الذي تعرض بالفعل إلى انقلاب عسكري عام 1973 من قبل الثورة المضادة، وقد صُفيت نتيجته كل كوادر النظام اليساري هناك، ليس الساسة والمتحزبون فقط، بل مثقفون وموسيقيون ومغنون وفنانون وطلاب أيضاً. كان يساريو أميركا اللاتينية شديدي المثاليّة وآمنوا بالانتخابات والصراع الديموقراطي الموهوم، فدفعوا الثمن حياتهم وحياة مناصريهم. وقمع البريطانيون أيضاً تمرداً للكاثوليك في ايرلندا الشماليّة بلا رحمة وقتلوا 13 منهم في ما عُرف بـ «الأحد الدّامي».
تعلمت الأنظمة أن استراتيجيّة العنف الصادم لا تُثبت فعاليتها إلا في مدى قصير وتتسبب دوماً في توسع دائرة السخط. ففي إيرلندا الشماليّة، اندفع المئات من الشبان للالتحاق بالجيش الجمهوري الإيرلندي، المعارض للاحتلال البريطاني. ولذا تجنبت سلطات لندن قمع احتجاجات العمال المضربين عام 1972 بالقوة المفرطة، ولجأت إلى طرق أكثر دهاء من خلال توظيف اتحادات العمال لتقديم حلول تبدو مرضية لكل الأطراف، لكنها وعلى نحو أساس لا تتحدى منظومة الوضع القائم. أما اليساريون الألمان، فقد كانوا متأثرين بأفكار «مدرسة فرانكفورت»، لا سيّما بثيودور أدورنو، الذي كان يرى أنّ الثورة في النظام الرأسمالي الأوروبي مستحيلة لأن وعي العمال تنتجه السلطات الحاكمة عبر أدوات الثقافة والميديا بأنواعها، وهكذا لم يتحرك الرفاق هناك بدافع نظري محض.
الفرنسيون كانوا بالفعل السباقين لتقديم التجربة النموذج في إدارة الأزمة المجتمعيّة المتصاعدة وتحجيم اليسار. بعد أقل من شهر على أحداث أيّار 1968 العاصفة في باريس ومدن فرنسية أخرى، وافق أكبر اتحادات العمال الفرنسيين (كان يسيطر عليه الشيوعيون) على وقف الإضرابات واستنئاف العمل في المصانع في مقابل منافع وتنازلات ماديّة محدودة للعمال من قبل المالكين والدولة. هذا النموذج من المناورة السياسيّة بأقل التكاليف، سمح للرأسماليّة الأوروبيّة بتجديد نفسها داخل طور جديد. إذ ما لبثت الأحزاب اليسارية واتحادات العمال وتيارات الاشتراكيين ـــ الديموقراطيّين في دول أوروبا الأخرى، أن تسابقت بدورها لقبول رشى مشابهة، ونفذت رغبات الرأسماليين بوقف القلاقل وإعادة تطبيع الاستغلال.
سواء انتهت موجة 1968 ـــ 1975 الثوريّة بالمذابح الدمويّة أو بالمفاوضات والرشاوى وخيانة الرّفاق، فإنها تحولت على يد اليسار من لحظة تاريخيّة ذهبيّة لتغيير ممكن في مسارات التاريخ، إلى هزيمة مدويّة وربما نهائيّة للحراكات الثورية العماليّة. لقد تم حرف أبجدية النضال الأساسي من صراع الطبقات إلى مسائل تحسين ظروف العمل، ومن تحدي السلطة وصراعات القّوة إلى قنوات الجندرة وحقوق الأقليّات والمثليين وأوجاع البيئة. وبدلاً من بناء منظومات للدفاع عن الثورة، سقط اليسار في فخ لعبة الديموقراطيّة البرلمانيّة.
هكذا عندما حدثت الأزمة الاقتصادّية في منتصف السبعينيات، كانت الطبقة المهيمنة في الغرب شديدة الثقة بالذات عند مواجهتها حصراً على حساب الطبقة العاملة المهزومة التي حوّلها اليسار المُدمن على الخسارات إلى مجرد كتل شعبيّة هائمة تتلاعب بها الإمبراطوريّة الرأسماليّة المعولمة كيفما شاءت.