علمنا من عرض سابق نشرناه في ملحق «كلمات» أن النازية الألمانية وضعت قوانينها العنصرية الكريهة المعروفة اعتماداً على مثيلاتها في الولايات المتحدة الأميركية. بل تبين أيضاً أن المشرعين النازيين الألمان عدوا بعض التشريعات العنصرية الأميركية قاسية على نحو زائد، وعملوا على تخفيف حدة بعضها في تشريعاتهم («الأخبار» 8/7/2017).

«معسكرات الاعتقال البريطانية: تاريخ مختصر من عام 1900 إلى عام 1975» (Pen Sword Books ـــ المملكة المتحدة ـ 2016) لسايمن ويب يعلمنا بمصدر جديد لممارسات النازية الألمانية الوحشية، هو معسكرات الاعتقال. قبل الاسترسال في عرضنا، وجب توضيح معنى المصطلح الإنكليزي concentration camps وشرح المقصود به.
لسايمن ويب مؤرخ وصاحب مؤلفات عديدة، له مقالات في صحف السلطة البريطانية ومجلاتها، ومنها «ديلي تلغراف» و«إندبندنت» وملحق صحيفة التايمز التعليمي Times Educational Supplement. استهل كتابه المثير بشرح معنى مصطلح concentration camp وطبيعته، ليبين أن أول استخدام له كان عام 1914 (في صحيفة «مانشستر غارديان» بتاريخ 4 كانون الأول/ ديسمبر 1914، تحت عنوان: اضطرابات في معسكر الاعتقال في مدينة لانكستر).
المقصود بمعسكر الاعتقال، ترجمة غير دقيقة للمصطلح الإنكليزي «معسكرات تجميع المعتقلين المدنيين». نشأت الفكرة في دماغ عسكري بروسي في مطلع القرن الماضي في كوبا بهدف تقطيع أوصال أراضي الفلاحين الكوبيين الثائرين على الاستعمار الإسباني، وبالتالي فصلهم عن عوائلهم، ومنعهم من التزود بالمؤن التي يحتاجون إليها لمواصلة كفاحهم التحرري. يذكر هنا أنه أطلق على تلك المعسكرات اسم reconcentrandos، بمعنى إعادة تجميع.
يستعين الكاتب بقواميس إنكليزية لتعريف معسكرات الاعتقال، ويجد أن نسخة 2003 من قاموس «أكسفورد» يعرف معسكر الاعتقال (concentration camp) بأنه «معسكرات لاعتقال المعارضين السياسيين»، بينما تعرفه نسخة قاموس «بريور» العائدة لعام 2005 بأنه «معسكر لاعتقال أفراد غير عسكريين». ويلاحظ هنا أنّ أياً من التعريفين لا يشيران إطلاقاً إلى أن معسكر الاعتقال مكان يخضع لإدارة وحشية ويمارس فيه التعذيب والتنكيل والقتل.


يلفت الكاتب إلى أن معسكر الاعتقال البريطاني آنف الذكر لم يضم أسرى حرب وإنما مدنيين فقط. بعد فترة من انتشار الاضطرابات في معسكر الاعتقال آنف الذكر، وفي 19 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، اندلعت اضطرابات في معسكر اعتقال ثان، في جزيرة مان، وقد تعاملت القوات البريطانية معه باستخدام الرصاص الحي، مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص، اثنان منهم كانا يعملان نادلين في أحد الفنادق، ما يوضح على نحو جلي أنّ نزلاءه كانوا من المدنيين.
لكن معسكرات الاعتقال البريطانية بدأت في مطلع القرن الماضي، كما أسلفنا. ففي عامي 1901 و1902، قضى جوعاً أكثر من 22000 طفل ويافع تحت سن السادسة عشرة في معسكرات اعتقال يديرها الجيش البريطاني.
وفي عام 1945، أعلن الاتحاد السوفياتي في صحيفة «البرافدا» أن الحكومة البولونية في المهجر (في بريطانيا) تدير معسكرات اعتقال تضم أشكناز وشيوعيين ومثليين.
لقد ضمت معسكرات الاعتقال مدنيين من مختلف المهن والحرف، استخدمتهم بريطانيا سخرةً في اقتصادها. لكن محاكم نورمبرغ التي شكلها الحلفاء عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، أعلنت أنّ العمل السخرة يعدّ جريمة ضد الإنسانية. الحقيقة أن 20% من عمال القطاع الزراعي في بريطانيا كانوا في 1946، أي بعد الحرب وبعد صدور تشريعات نورمبرغ عن الجرائم ضد الإنسانية، من عمال السخرة. وفي عام 1947، بلغ مقدار عمال السخرة 25% من مجموع العمال في بريطانيا.
وفي عام 1972، ضم معسكر اعتقال تابع لسلاح الجو البريطاني أكثر من 1000 معتقل سياسي، قضوا سنين عديدة من دون محاكمة ولا توجيه تهم لأي منهم. أما المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان، فقد ذكرت أن العديد من المعتقلين السياسيين تعرضوا للتعذيب.
من الأمور المثيرة الأخرى التي يوردها الكاتب، وهي كثيرة، إصرار النازيين على أنهم أفادوا من الممارسات البريطانية بخصوص إقامة معسكرات اعتقال، وهو ما كانت السلطات البريطانية تنفيه. ففي شباط (فبراير) 1939، استقبل القائد النازي غرنغ سفير بريطانيا في برلين سير نفل هندرسن الذي أعرب عن سخط حكومة صاحبة الجلالة على الحكومة الألمانية بسبب الوحشية التي تمارسها في معسكري الاعتقال في دخاو وبخنفالد. في معرض رده على احتجاج السفير البريطاني، التقط غرنغ موسوعية ألمانية، وفتحها على صفحة حرف (K - konzentrationslager) التي أوردت التعريف «أول من استعمله كانت بريطانيا في حربها في جنوب إفريقيا». الدعاية النازية عن معسكرات الاعتقال كانت موسعة، وساهمت أبواقها في تمويل فيلم (om paul) عن معسكرات الاعتقال البريطانية. الحكومة البريطانية كانت تنفي ذلك وتدعي أنه من أكاذيب وزير الدعاية غوبلز.
في 1901 و1902، قضى جوعاً أكثر من 22000 طفل في معسكرات بريطانية


من المعروف أن أول معسكر اعتقال نازي افتتح في دخاو في 22 آذار (مارس) 1933، لكن بريطانيا كانت سباقة في ارتكاب هذه الجريمة، فقد افتتحت معسكر اعتقال في موقع ناء من البلاد قبل ذلك التاريخ بـ 17 عاماً.
يعرج المؤلَّف على جريمة نازية أخرى تسمى ليلة الزجال المكسور (krystalnacht) عندما قامت قطعان الحزب النازي عام 1938 بتحطيم محال التجار الأشكيناز في برلين. بعد ذلك، ألقت الشرطة القبض على أصحاب المحال، لا المجرمين، واقتادتهم إلى معسكرات اعتقال «لحمايتهم/ schutzhaft». بحث الكاتب الإنكليزي في تاريخ بلاده، ليتبين له أن تلك الجريمة النازية لم تكن سوى صدى جريمة مماثلة ارتكبها الإنكليز في مدينة ليفربول الشاطئية عام 1915.
يعرّج الكاتب على جريمة أخرى ارتكبت إبان الحكم النازي يطلق عليها «الإبادة/ genocide» اجترحه المحامي اليولوني رفائيل امكن عام 1943 لوصف جرائم النازيين في بولونيا وروسيا. يقول الكاتب إنّه مع أن المصطلح حديث، إلا أن المبدأ قديم، إذ يورد سفر يشوع من العهد القديم أن إله بني إسرائيل أمرهم بإبادة الكنعانيين، وهو ما نفذوه في أول مدينة تسقط لهم وهي إريحا (يرخو) التي حرقوها، ولم تنج سوى عائلة واحدة من هذه المحرقة holocaust، دوماً باستعمال مفردات الكاتب.
ويشير الأخير إلى أن إبادة شعوب ومجموعات بشرية يمكن أن تتم على نحو مباشر، أي بقتلها، أو بخلق ظروف تفضي إلى موتها تضوراً أو بسبب الأوبئة، أو بكليهما، وهو تماماً ما قام به الأميركيون في القرن التاسع عشر بالعلاقة مع إبادة الهنادرة (الهنود الحمر). وهذا ما يقود إلى نظام الاعتقال الذي أقامته بريطانيا في جنوب إفريقيا (وفي مناطق أخرى سيرد ذكرها لاحقاً - ز م). قد يربط القارئ المصورين 2 و3 بمعسكرات الاعتقال النازية، لكن الحقيقة أنهما يعودان إلى نحو نصف قرن قبل ذلك، وإلى عام 1901. المصور 2 هو رسم فرنسي عن الأحوال المرعبة في معسكرات الاعتقال البريطانية في جنوب إفريقيا، بينما رقم 3 يعود إلى طفلة جنوب إفريقية تبلغ سبع سنوات واسمها لِسّي فان تسويل، في معسكر الاعتقال البريطاني بلومفونتاين (bloemfontein) في جنوب إفريقيا. الطفلة المعتقلة توفيت بتاريخ 9 أيار (مايو) 1901 بسبب التضور الذي أدى إلى إصابتها بالتيفوئيد. ويضيف الكاتب: لقيت نفس مصير آنا فرانك في بلسن بعد ذلك بنصف قرن.
يعرج الكاتب على حرب بريطانيا على المستوطنين الأوروبيين في جنوب إفريقيا، التي تسمى «حرب البوير» (Boers) من المستوطنين الأوروبيين الذين كانوا يناضلون من أجل الاستقلال عن بريطانيا أو منعها من التوسع في المنطقة. القوات البريطانية في المنطقة كانت بقيادة الفيلدمارشال رُبرتس، الذي أمر قواته بإحراق قرى البوير ومصادرة المحاصيل التي تقع في طريقهم، ما عنى أن سكانها أضحوا بلا مأوى. وفي تموز (يوليو) 1900، أمر الفيلدمارشال نفسه باعتقال 2500 من النساء والأطفال ونقلهم رهائنَ إلى معسكر اعتقال أقيم في منطقة الترانسفال في جنوب إفريقيا.
وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1900 أمر اللفتننت جنرال سير أرتشيبلد هنتر بإحراق مدينة بوتهافيل، باستثناء الكنيسة ومقر الصليب الأحمر ومباني البلدية. بعد انتهاء حرب البوير، تسلم اللورد كتشنر ــ هو نفسه الذي تظهر صورته على الملصقات الإنكليزية الشهيرة (your country needs you) ـــ قيادة القوات البريطانية في جنوب إفريقيا. وأعلن أن بعض البوير لم يقروا بالهزيمة، ولذلك أمر بإحراق بلدات عدة من بينها: ريتز، ارميلو، ريتز، باريز، ليندلي، كارولاينا...
يقول المؤلف إن إقامة معسكرات الاعتقال في جنوب إفريقيا، لم تكن سياسة مبرمجة وإنما ضرورة ملحة نتجت عن القتال في المنطقة، لكنها تحولت إلى إحدى ركائز الاستراتيجية البريطانية في محاربة القوات المعادية غير النظامية (irregular warfare). كما لجأت السلطات البريطانية بشخص قائد قواتها اللورد كتشنر إلى تأسيس معسكرات اعتقال تحوي مباني حجرية (blockhouses) لتضم أكثر من 100000 من اللاجئين والمشردين. فقد عملت على بناء 8000 مبنى متصلة ببعضها بأسلاك شائكة بلغ طولها 4000 ميلاً (6437,376 كيلو متر). في تلك المرحلة تحديداً، أي عام 1901، دخل مصطلح (concentration camp) في اللغة الإنكليزية، دوماً وفق الكاتب. أحد أقدم الاستعمالات للمصطلح، يرد حرفياً في محاضر مداولات مجلس العموم في 5 آذار (مارس) 1901، وتحديداً في سؤال طرحه عضو المجلس عن مدينة لي (leigh) على وزير الحرب البريطاني.
نذكر بأن الإبادة، وفق التعريف المعتمد، لا يعني القتل المباشر فقط، وإنما أيضاً خلق ظروف تؤدي إلى موت جماعات كبيرة من الناس، وفق الكاتب ومراجعه القانونية. لذا فهو يلفت إلى غياب الصابون الذي قاد إلى وفاة كثيرين، إلى جانب أنّ مياه الشفة التي وفرها الجيش البريطاني للمعتقلين كانت قذرة. يضاف إلى ذلك أنّ كثيراً من المعتقلين كانوا أطفالاً، وأجسامهم لم تكن قادرة على مقاومة الأوضاع القاتلة في معسكرات الاعتقال. لكن الكاتب يؤكد أن هناك سبباً ثالثاً للوفيات الجماعية وهو السياسة الرسمية للقيادة البريطانية.
هذه الأحوال يمكن مقارنتها بمعدل الوفيات في المناطق البريطانية الفقيرة، ومنها مثلاً في مدينة نيوكاسل حيث بلغ معدل وفيات الأطفال عام 1901، حوالى 25 من كل 1000، وفي مدينة ليفربول 23 من كل 1000. معدل الوفيات في معسكرات الاعتقال الـ 34 في جنوب أفريقيا عام 1901 بلغ 311 من كل 1000. وفي شهر تشرين الثاني من العام نفسه، توفي 3205 أفراد في معسكرات الاعتقال في جنوب إفريقيا، أي بمعدل سنوي يبلغ 344 من كل 1000.
يؤكد الكاتب أن القوات البريطانية أقامت معسكرات اعتقال خاصة بالبشر الملونين (people of colour)، لكن أحوالهم لم تستدع أي اهتمام في بريطانيا. ثمة أرقام تشير إلى أن عدد البشر الملونين في معسكرات الاعتقال البريطانية في جنوب أفريقيا بلغ عام 1901 نحو 38000 كان 30000 منهم نساء وأطفالاً.


المشكلة الأخرى بحسب الكاتب، أن البوير لم يحظوا بتعاطف الشعب البريطاني الذي كان يرى أنهم نالوا ما يستحقون من معاملة ومصير!
من الأمور الأخرى التي يتعامل الكاتب معها كيفية وصف أعداء الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، والتي بالكاد تشرق عليها الآن، وابتداع مصطلحات للحطّ من قيمتهم كبشر. اجترح النازيون مفردة vermin للإشارة إلى الأشكناز. أما الليدي مول رلستن، فقد أشارت إلى البوير في أحد مؤلفاتها بالقول إنها تحتقر أصولهم، قاماتهم قصيرة، وأعينهم سمراء ضيقة، ويطلقون شوارب... الصحافة البريطانية أطلقت على البوير صفات حيوانية مثل قطيع وسِرب وحشد وفِرْق.
ثمة الكثير مما يذكره الكاتب في مؤلفه الفذ لا يمكننا عرضه هنا، لكنه يصل إلى نتيجة أن كثيراً من ممارسات القوات البريطانية المذكورة وجب تصنيفها على أنها جرائم حرب.
إضافة إلى ما سبق من جرائم، يتعامل المؤلف مع الممارسات الإجرامية للحكومات البريطانية المتعاقبة مع الإيرلنديين، خصوصاً إبان حرب الاستقلال عن بريطانيا.
كما قامت السلطات البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية باعتقال أعضاء المجموعات الإثنية في البلاد، وأولهم الألمان والنمساويون والأتراك والبلغار، وكل من يحمل اسماً غير إنكليزي [!] لأنه جاسوس ألماني! لم يقتصر الأمر على مدينة ليفربول، كما أسلفنا، وإنما انتشر في مدن أخرى ومنها مانشستر.
وقد وجدت مجموعة غير صغيرة في لندن من الأفراد الإنكليز الذين يحملون أسماءً «أجنبية»، فتم اعتقالهم وقيدوا للعمل سخرة في المعامل.
يشير المؤلف إلى مواقع بعض معسكرات الاعتقال في لندن التي تم نسيانها أو تناسيها ومنها «ألكسندرا بَلَس للتعليم والترفيه» الذي أسس عام 1873، ويشتهر بأنه مكان أول إرسال متلفز لهيئة الإذاعة البريطانية (bbc) عالي الدقة عام 1936. تعرض القصر لحريقين منذ تأسيسه، والسكان يلقون باللائمة على «لعنة الغجر». الحقيقة أن موقع ذلك القصر كان أكبر معسكر اعتقال ضم نحو 3000 معتقل.
كما يذكر المؤلف تناقص أعداد السكان الألمان والنمساويين في بلدية لندن الذي هبط من 31254 مواطناً من مواليد ألمانيا والنمسا في عام 1911، إلى 1552 شخصاً عام 1921.
يشير المؤلف أيضاً إلى دور وزارة الداخلية البريطانية (home office) في اعتقال مواطنين بريطانيين معارضين سياسياً وإرسالهم إلى معسكرات اعتقال وإجبارهم على العمل سخرة في مهن تكسر الظهر. قلة من الإنكليز احتجوا على ذلك ومنهم الفيلسوف برترند رسل. كما أنّ الأفراد الذين رفضوا الخدمة العسكرية لأسباب أخلاقية ولتعارضها مع قناعاتهم كونهم من المعارضين للحرب وللعنف، اعتُقلوا وأرسلوا إلى معسكرات اعتقال.
من المعروف أن النازيين وضعوا شعار «العمل يُحرر/ arbeit macht frei»، أي إن عمال السخرة سيتحررون في حال إنجازهم الأعمال المفروضة عليهم، على مداخل معسكرات الاعتقال. لكن الشعار لم يكن من اختراعهم، إذ استُعمل في ألمانيا ما قبل النازية، المعروفة باسم جمهورية فايمار، وقد أخذته من عنوان رواية لورنتس ديفنباخ الصادرة عام 1873. يشير الكاتب إلى معسكرات عمل بريطانية فُرضت على المعتقلين وبقيت قائمة حتى عام 1939 وضمت نحو 100000 شخص، خمسة آلاف منهم من الأطفال. أما الأحوال فيها، فلم تختلف عن معسكرات الاعتقال النازية في دخاو وغيره، ولا عجب لأن البريغادير- الجنرال الإنكليزي بلاكني زار معسكر الاعتقال في دخاو ووجد أن معاملة المعتقلين فيه مرضية، وفق تصريحه لصحيفة «مانشستر غارديان» بتاريخ 4 تشرين الأول 1933. وكذلك كان انطباع رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج الذي زار معسكر دخاو عام 1936 وأعرب عن حماسه لكيفية إدارته وتبنيه شعار «العمل يحرر» آنف الذكر.
يعرج الكاتب على حرب بريطانيا على المستوطنين الأوروبيين في جنوب أفريقيا


الأخطر ـ بحسب الكاتب ـ هو السماح للجنرال البولوني الدكتاتور والمكروه في بلاده سكورزكي بتأسيس معسكرات اعتقال بولونية في شمالي بريطانيا احتجز فيها معارضيه، إضافة إلى الشيوعيين والأشكناز والمثليين. هناك، تعرضوا للتعذيب وقُتل العديد منهم. ومن أشهر نزلاء معسكرات الاعتقال البولونية في اسكتلندا الكاتب آيزاك دويتشر كاتب سيرة ستالين، الذي توجه إلى شمالي البلاد للانضمام إلى القوات البولونية لمحاربة النازيين، فتم اعتقاله كونه شيوعياً وفوق ذلك أشكنازياً!
وقد خصص الكاتب فصلاً لجرائم الحكومات البريطانية بين الأعوام 1945 و1948 بإقامتها معسكرات اعتقال للعمل السخري، الذي استخدم لإنعاش الاقتصاد البريطاني بعد الحرب. وكنا أشرنا في عدد آخر في «الأخبار» إلى قيام بريطانيا وبقية الحلفاء الغربيين، بإعادة تسمية أسرى الحرب الألمان لديها وعددهم زاد عن الربع مليون، إلى «أفراد العدو المجردين من السلاح» كي تمنع عنهم صفة أسرى الحرب، وبالتالي التزامها بتطبيق معاهدة جنيف الخاصة بهم. يذكر هنا أن النروج وفرنسا والدانمارك أجبرت الأسرى الألمان على تنظيف حقول الألغام، بأيديهم العارية، مما أدى إلى مقتل الآلاف منهم، وثمة فيلم روائي عن تلك الجريمة الدانماركية (land of mine, 2015).
خصص الكاتب فصلاً آخر للحديث عن معسكرات الاعتقال في الملايو وآخر لمعسكرات الاعتقال في كينيا وقد ضمت نحو مليون فرد من الماو ماو (وكان منهم والد الرئيس أوباما الذي أمر بإزالة تمثال تشرتشل من مكتبه في الغرفة البيضاوية في البيت الأبيض - وأعاده الرئيس ترامب). كما أثرى الكاتب مؤلفه بفصل عن الاعتقال بلا محاكمة للإيرلنديين في الأعوام 1971-1975.
يثري الباحث مؤلفه بالحديث عن الولايات المتحدة التي أنجبت معسكرات الاعتقال الخاصة بها في أندرسنفيل في ولاية جورجيا إبان حرب الاستقلال أو حرب الانفصال، التي يطلق عليها اسم الحرب الأهلية، احتجز فيها نحو 45000 نزيل من الاتحاديين، توفي 15000 منهم بسبب الجوع والأوبئة. هذا المعسكر الذي أقامه الجنرال وَيلَر، كان مخصصاً منذ البداية للمدنيين من نساء وأطفال. الجنرال الأميركي أطلق على خطته «خطة إعادة البناء»، التي عنت موت أكثر من مليون إنسان في تلك المعسكرات.
أخيراً، من الأمور الطريفة، إن صح توظيف هذه الصفة في هذا المقام، أن الآثاريين البريطانيين عثروا على آثار ما يظنون أنه أقدم معسكر اعتقال في بريطانيا أقامته القوات الرومانية قرب إحدى قلاعهم.
يتعجب الكاتب من حالة فقدان الذاكرة التي أصابت المؤرخين الإنكليز، ومؤلفه إسهام في إنعاش الذاكرة الجماعية بخصوص جرائم بريطانيا بحق الإنسانية.