ترجمة: هالة عزيز

هنا كانت البداية، تشرين الثاني (نوفمبر) 1913، في حيّ الظاهر حيث تعيش جالية كبيرة من أصول سورية. الأبوان قصيري، سليم ونادية، من صغار ملاك الأراضي، يتبعان طائفة الروم الأرثوذكس ويترددان على كنيسة رؤساء الملائكة. يقيم ألبير الصغير، الشديد الاعتدال دينيّاً، خلال أعياد الفصح معارك بالبيض في فناء الكنيسة. تعلم ألبير، ولغته الأم العربية، ابن الخامسة، اللغة الفرنسية في «مدرسة الفرير»، وعاونه في ذلك إخوته الأكبر منه المولعون بالأدب الكلاسيكي. التحق في ما بعد بمدرسة «الليسيه» الفرنسية في باب اللوق، ولم يجتز - رغم ذلك - شهادة الثانوية الفرنسية (باك)، إذ ظهرت جليّاً نزعته التي أغنته عن أي شهادة: أن يصبح كاتباً. وفي السابعة عشرة، صدرت له قصيدة مستوحاة بإفراط من بودلير تحمل عنوان «اللدغات» وكان يتمتع بمكانة مرموقة بين فتيات المجتمع الراقي.
وكان لمدرسة «الليسيه» دور رئيس في الحياة الفكرية والفنية القاهرية، وكانت بمثابة مركز ثقافي. ففي «بيت الفنون» الخاص بها، أقامت جماعة «الفن والحرية» السوريالية بعضاً من فعالياتها التي قدّمها رسامو الطليعة، فيما جذبت «جمعية الصداقة الفرنسية» جمهور الندوات الرفيع المستوى، حيث أقام جورج حنين وبرتو فرحي حفلاً لتكريم «عطاء ألبير قصيري» عام 1956.أما قاهرة شبابه، فكانت وسط البلد، الذي أراد الخديوي إسماعيل أن يجعل منه باريس الشرق. يجوب الترام أنحاءه. وعلى الرغم من واجهات بناياته التي كانت لا تزال ناصعة، إلا أن البناء لم يكن يتوقف فيه.
أما التجارة والمحالّ الكبرى والمقاهي والمطاعم، وحتى المصارف وشركات التأمين، فقد كانت تُدار تقريباً من قبل أجانب: يونانيين، إيطاليين، أميركيين، مالطيين... ناهز عددهم الـ 50000 في عام 1950. واللغة السائدة هي الفرنسية، لغة التواصل بين هذه الجاليات والمصريين من الطبقة المترفة... في الحقيقة، إنّ معظم المصريين الذين كنّا نصادفهم في وسط البلد، كان بعضهم يعمل في البيوت، والبعض الآخر من صغار الموظفين، وكان سكنهم في أماكن أخرى بعيدة.
«ينفتح شارعُ فؤاد في وسط المدينة الأوروبية كنهرٍ من الضوء. سَارَ الكُردي في اتجاه الجادّة، متسكعاً، يخامره الشعور بأنه ما زال في مدينة أجنبية غريبة. وعبثاً حَدّثَ نفسه بأنه ما زال في البلد مسقط رأسه، فهو لم يصل إلى تصديق ذلك».
كان ألبير الذي يقطن في شارع شريف يعيش من فتات الموارد ومن إغداق أصدقائه عليه ومن علاقاته المختلفة. وصفه الأمير حسن حسن من الأسرة الملكية بهذه العبارات: «كان شكله تكعيبياً إلى حد ما، فهو أشبه بالمثلث. وكنت أراه أحياناً كثيرة في الشارع، ولكني كنت أعبر إلى الرصيف المقابل لما عُرف عنه من كثرة اقتراضه للمال». كان أصدقاؤه الأكثر غنىً يقطنون الزمالك أو غاردن سيتي، الحيين المبنيين من فيلاتٍ في شوارع هادئة. إلا أن كل شيء كان يدور في وسط البلد، في حيِّز صغير على مسافة بضعة شوارع أو جادات. «كان يكفي أن تتوجه بعد الساعة الخامسة من جروبي سليمان باشا إلى جروبي عدلي لتلتقي الجميع...» (لقاء ألبير قصيري وبيار جازيو، القاهرة، 1989).
وفي «جروبي سليمان باشا»، تعلم ألبير الرقص. ومن هناك وحتى سان ــ جيرمان دي بريه، كان الرقص عاملاً أساسيّاً في استراتيجيته في الاستحواذ على قلب المحبوبة. كانت المقاهي تحتل مكانةً رئيسة في أيام يكتنفها الخمول والتبطل. وكان «الأمريكين» أحد المقاهي المفضلة لديه حيث يقع تراسه عند تقاطع شارعي فؤاد وعماد الدين. وهناك، كان يرقب عودة تلميذات المدارس الثانوية اللواتي ينتمين إلى كبرى العائلات، وهو ما كان يترك انطباعاً عند الكاتب الشاب الذي كان يبدو مع ذلك ثائراً متشدداً. كان يعشق مقهى البوسفور الأكثر حيوية والكائن بالقرب من محطة باب الحديد.

من الأماكن التي كان يؤثرها، حيّ الحسين و«مقهى الفيشاوي» الشهير المزدان بالمرايا


وكانت هناك المكتبات التي تقدم في معظمها كلاسيكيات الأدب الفرنسي وآخر ما صدر عنه، فالأدب الفرنسي هو «وطن الإنسانية» إذا ما استعدنا تعبيراً لمجلة La Revue du Caire. أما مكتبة «الرون بوان» في ميدان مصطفى كامل، فكانت، على وجه الخصوص، تستقبل كل من كانوا في المدينة من أصحاب الأفكار التقدمية والمتعاطفين مع اليسار والمقاومين للفاشية وهواة الفن الحديث. وكان يدير المكتبة هنري كورييل أحد أبناء البورجوازية الثرية.
وقد نظم في فيلا والده في الزمالك حفلاً كبيراً لتمويل مجلة «دون كيشوت» التي كان رئيس تحريرها. وكان منهجه: «نحن نكافح: اللامبالاة، اجترار الماضي، الاستسهال، عدم استمتاع المرء بحريته، جميع أشكال التزوير، والتهاون». وكان لأعضاء الجماعة السريالية، ومن بينهم جورج حنين، إسهامات حيوية في هذا الصدد.
يمكننا القول إن قصيري نفسه لم يشارك إلا من بعيد في نشاط هذا الشباب الكوزموبوليتي الذي دعا إلى ثورة فنية وسياسية وسط شعور اللامبالاة العام السائد في المجتمع حينذاك.
«كنّا نعرف بعضنا جميعاً. وكنّا جميعاً أصدقاء، لم نكن نوجَد معاً لانتماءاتنا الإيديولوجية، بل، لأننا – على وجه الدقة – كنا أصدقاء. كنا نلتقي مساء كل يوم ونذهب للعشاء. وكان كورييل مستقلاً بذاته، وكان يفكر في أن يكون رئيس حزب. كان معه الكثير من المال، ما أتاح له أن يحشد حوله جمعاً كبيراً من الناس. غير أن ما كنت أقوم به من خلال كتاباتي كان أكثر ثورية مما كان يفعله كورييل ورفاقه. كل شيء كان يدور بين مثقفين، وكان هذا مدعاة للسخرية بالنسبة إليّ. فما فائدة حزب يتكون من حفنة من الأفراد لا يعرفون حتى اللغة التي يتكلمها الشعب؟» (لقاء قصيري وبيار جازيو، القاهرة، 1989).
وقّع قصيري على بيان «يحيا الفن المنحط» دعماً للفنانين الألمان ضد الاضطهاد النازي. وكان هذا بمثابة الأثر الوحيد لالتزامه سياسيّاً، غير أنه كان كافياً، بالإضافة إلى صداقاته السيئة، ليضعه البوليس المصري في قائمة المخربين.
وصدرت قصتاه الأوليان Un Homme supérieur و Danger de la fantaisie في مجلات شديدة البعد عن الاستفزازات السريالية، كمجلة La Semaine égyptienne (عدد رأس السنة 1936) ومجلة La Revue du Caire (حزيران/ يونيو 1939). وتجدر الإشارة إلى أن كلتا المجلتين كانتا تتمتعان بنسبة توزيع أعلى من كتابات رفاقه السرية الملتهبة. وكان قصيري – على العكس منهم – يستطيع الهروب من الجغرافيا المحدودة لوسط البلد والأحياء الجميلة، التي كان يُطلِق عليها «المدينة الأوروبية» أو «قلعة القهر».
«والحال أن المدينة الأوروبية، على الرغم من بناياتها ذات الطبقات الثماني (المزودة بالأسانسيرات ومواسير المياه الجارية) ومقاهيها المضاءة إضاءة ساطعة ومومساتها اللواتي تنوء الأرصفة بتسكعهن جيئةً وذهاباً، قد بدت فريسة ضجرٍ كئيب، لا نهاية له، ناشئ عن الشك وتفاهة الملذّات. ساد الإحساسُ بأن المدينة أرادت العيش، وبأنها تتمتع بكل ما يكفل ذلك، غير أن نوعاً من البؤس الباطني، الذي لا يرحم، قد جَمّدها بأضوائها المفتَعَلة ونسائها الحمقاوات ورغدها الإجرامي. (...) وقد صار التمدن رهيباً بشكلٍ خاصٍ على امتداد شارع فؤاد الأول وشارع عماد الدين. فالواقع أن هذين الشارعين الرئيسيين يتمتعان بكل ما تحتفظ به مدينة متمدنة وتوفره بسخاءٍ لأجل نهب ألباب البشر. فهناك مسرحيات تافهة وباراتٌ تُكلّفُ من يرتادها الكثير وكباريهات ترقص فيها راقصات سهلات المنال، ومحالّ لأحدث الموضات وجواهرجية، بل أفيشات مضاءة بالنيون. كانت الإصابة بالخبل تمتد على مدى البصر» (بشر نسيهم الله).
جوهر، الأستاذ الجامعي، «السيد» في «شحاذون ومعتزون» يترك حياة تعج بالخداع والأكاذيب. نراه ينتصر للحرية في ظل التنصل المطلق من كل أبهة ويعبر الحدود، التي تقتاده بعد حيّ «الموسكي»، إلى «مدينة الأهالي» حيث سعادة العيش بتلقائية وعفوية.
أحد طلابه، الكردي، لخّص، وهو يجوب شوارع المدينة الأوروبية، الاختلاف المستعصي بين هذين العالمين اللذين يتواجهان ويجهل بعضهما البعض: «كان هذا الزحام من البشر غير إنساني، وقد تغلغل الكربُ الذي أشاعه تغلغلاً لاشعوريّاًِ في نفس الكُردي وبث فيه الحنين إلى الأحياء الشعبية. لقد تحسَّرَ بالفعل على الأزقَّة الموحلة والعشش القذرة حيث كان شعبٌ بأسرهِ قد تعرَّض للإقصاء يسخرُ من مضطهديه. كان الأمل في عشش الصفيح في الأرض اليباب أكبر من الأمل في هذه المدينة الثرية (...) وهي لم تكن بهيجة، قلعة القهر هذه. فمظاهر البذخ، المعروضة في فيترينات المحالّ التجارية وأبهة البنايات عديمة البهجة وبثائر الأرصفة، كل ذلك بدا أنه يحول دون أدنى فكرة طليقة. وقد أدرك الكُردي لماذا هَجَرَ جوهر هذه المدينة ورغدها الكئيب» («شحاذون ومعتزون»).
في Les hommes oubliés de Dieu أو La maison de la mort certaine يسحق البؤس الشديد واليأس الأحياء الفقيرة في القاهرة.
«شمس مبهرةٌ غمرت الأرض. كان الهواء عذباً ودافئاً، لا يكاد المرء يشعر به. كل ذلك كان جميلاً بالفعل، بَلى، ناحية المدينة الأوروبية، وبالأخص على الضفة الأخرى للنهر، حيث اصطفت الفيلَّات الباذخة والحدائق المزدانة بالزهور. أمَّا في الأحياء الشعبية، فقد اتخذت الشمسُ الرائعة مظهر القاتل. وفي الأشعة المائلة، كانت البيوتُ الخرابُ وكأنها ملطَّخةٌ بالدم» (منزل الموت الأكيد).
يسرد قصيري أياماً كثيرة في حيّ درب الأحمر والقلعة: شخصيات هاتين القصتين الأوليين، وما تتفوه به من سخرية وخيال يناقضان اليأس.
في بيت مملوكي يستأجره مع بعض الأصدقاء، يمضي ساعات خلف المشربيات، يستمع إلى الأحاديث والشجارات والشتائم البديعة بين الجيران والمارة. وقد استلزمت إعادة كتابتها بالفرنسية مع الاحتفاظ بمذاقها، عملاً شاقاً من حيث الأسلوب، جعل منه ذلك الكاتب الأصيل باقتدار الذي سبقته شهرته إلى خارج مصر.
ظل هذا البيت حتى بداية الستينيات «بيت الفنانين». والمستأجر أنجيلو دي ريتز، رسام عضو في جماعة «الفن والحرية». كان الفنانون والمثقفون المتحررون المتشوقون إلى المعرفة يلتقون كل يوم أحد في هذا المكان الذي ظل بالنسبة إليهم مكاناً مبهجاً في غرابته.
ومن الأماكن الأخرى التي كان يؤثرها، حيّ الحسين و«مقهى الفيشاوي» الشهير المزدان بالمرايا، وهو مركز تجمع شخصيات «شحاذون ومعتزون». وقبل الخمسينيات، كانت طاولات المقهى ومراياه تمتد على مساحةٍ أكثر اتساعاً، يشغلها اليوم «فندق الحسين».
وعالم المقهى الصغير هو انعكاس دقيق لما صارت عليه مدينة الأهالي في أعمال قصيري، بدءاً من «شحاذون ومعتزون». إنه مكان ينأى عن الجنون المدمر الذي يكتنف العالم وعن الخداع الكوني. إنه المركز الحقيقي، مركز العلاقات الإنسانية حيث «تبدو الجموع مفعمة بسعادة حكيمة لا يمكن لأي عذاب أو قهر أن يطفئانها».
«وبما يُمَثَّلُ معجزةً، كانت مدينة الأهالي المكان الوحيد في البلد الذي نجا من التعدي عليه وازدهرت فيه حياةٌ سوية، تستمد حيويتها من الحكمة البسيطة».
«شحاذون ومعتزون»
في عام 1942، غادر قصيري القاهرة لما يقرب من عام حيث عمل رئيساً للغرسونات على متن سفينة تصل إلى نيويورك مروراً بكيب تاون. دفعه الفضول والرغبة في الهروب من مدينة حولتها الحرب إلى مركز تسلية للقوات البريطانية، دفعاه إلى هذه المغامرة التي أسهم البحارة الألمان الجنسية في إخصابها بالتأملات. وفي نيويورك، احتجزته الشرطة، ولكن سرعان ما أطلق سراحه بعد تدخل لورانس داريل. وفي أعقاب ترجمة أعماله إلى الإنكليزية، وجدت هذه الأعمال صدىً كان هو نفسه أول من تفاجأ به. ويشهد على ذلك، مقال إطرائي لهنري ميلر في مجلة Accent وهي مجلة نيويوركية تهتم بالأدب المعاصر.
وقد وجد قصيري في هذا الاعتراف دعماً للمشروع الذي عزم، منذ الطفولة، على إنجازه: ألا وهو أن يصبح كاتباً ويقيم في باريس. وعند عودته إلى القاهرة، في سبتمبر 1943، وجد هناك الأشخاص أنفسهم، منشغلين بما كانوا يقومون به إلى حد ما. فها هو جورج حنين والجماعة السريالية يقومان بتنظيم معرضين في «الليسيه» في عامي 1944 و1945.
وبدأ ألبير قصيري يشعر بالاختناق في مدينة بدت له ضيقة وبلا حراك. ولم يعد ينتظر سوى انتهاء الحرب لكي يستقر في باريس. ويروي أنه كان يغفو على حافة حمام سباحة «فندق مينا هاوس»، الذي كان كثير التردد عليه في أيام الصيف، فسمع في الإذاعة إعلان استسلام ألمانيا. وعلى الفور، ارتدى ملابسه وهرع ليحجز مكاناً في أول سفينة تغادر إلى مارسيليا.
وسيمنحه القدر، الذي كان كريماً معه بشكل خاص، الاستمتاع بآخر أيام العصر الذهبي الباريسي. فسوف يعطي حي سان-جيرمان دي بريه لحلمه ألواناً فرحةٍ تتجدد كل مساء بما تتيحه من مسرات الفكر والإحساس.
ولم يعد هذا الشخص - الذي كان يعرّف نفسه بالكاتب المصري ذي القلم الفرنسي – إلى القاهرة إلا بعد ذلك بثلاثين عاماً. فقد قام بزيارتين قصيرتين إلى القاهرة في عامي 1989 و1990.
والحال أن الصور والانطباعات التي شكلت مناخ وديكور روايته «ألوان العار» كانت، باعترافه هو، صور وانطباعات أجنبي عن هذه المدينة المتضخمة التي ابتلعت قاهرة شبابه وساكنيها.

* أستاذ فخري في «مدرسة الليسيه» في القاهرة حيث يعيش منذ 20 عاماً. كان صديقاً لألبير قصيري وموضوعاً لرسالته للدكتوراه. صدرت له أعمال عدة منها: «الفيوم تاريخ ودليل»، «قاموس الفراعنة الصغير»، ويصدر له قريباً «محطات القاهرة السبعة: مدونة السفر بالمترو»