لم يكتب ألبير قصيري سوى عن مصر، وعن شخصيات وأماكن مصرية، لكنه لم يُعرَف في مصر إلا من خلال ترجمات قليلة متواضعة. ربما كانت الخطوة الأكبر نحو التعريف به في مصر، هي التي قامت بها المخرجة أسماء البكري في بداية التسعينيات. يومها، صنعت أول فيلم مقتبس عن عمل لقصيري وهو «شحاتين ونبلاء» (أو «شحاذون ومعتزون»، «شحاذون ونبلاء»). كان عليها أن تنتظر 12 عاماً أخرى لتصنع فيلماً آخر عن قصيري هو «العنف والسخرية».

كانت أسماء البكري (1947- 2015 ) مثل قصيري، مصرية فرنكوفونية التعليم والثقافة، ذات اهتمام خاص بالتاريخ المصري ظهر في الأفلام الوثائقية التي أنجزتها. عملت أيضاً مساعدة مع عدد من المخرجين، كان أكثرهم أهمية وتأثيراً فيها يوسف شاهين الذي عملت معه في أكثر من فيلم (إنتاج مشترك مع فرنسا). وهو ما أتاح لها التعرف إلى مصادر وشروط الإنتاج والدعم من أوروبا. ثم أتيحت لها فرصة للحصول على دعم من فرنسا لإنتاج فيلمها الأول (1991) «شحاتين ونبلاء» المأخوذ عن رواية قصيري. تدور الأحداث في القاهرة القديمة خلال منتصف الأربعينيات على خلفية نهاية الحرب العالمية الثانية، ليصبح أول أعمالها الروائية وأفضلها.
اختيار رواية «شحاذون ومعتزون» تحديداً، كان موفّقاً لأسباب عدة. من ناحية، تحمل اسم أديب كبير معروف في فرنسا والعالم، وهو مصري الجنسية والثقافة والهوى، والرواية نفسها لا يمكن أن يكتبها سوى مصري عاش وتشبّع بقاع المدينة وعاشر كل أنواع المصريين. ومن ناحية تحمس يوسف شاهين نفسه لإنتاج العمل من خلال شركته «مصر العالمية»، ما ضمن للفيلم مستوى إنتاجياً وفنياً مرتفعين.
استطاعت أسماء البكري أيضاً أن تصوغ سيناريو جيداً يحمل روح الرواية، ولا يبدو أنه مترجم عن لغة أخرى. كما استطاعت أن تحشد للفيلم عدداً من كبار السينمائيين؛ كل في مجاله مثل مديري التصوير يوسف مرزوق وسمير بهزان، والمؤلف الموسيقي مصطفى ناجي، والمونتيرة رحمة منتصر ومصمم الديكور أنسي أبو سيف، بجانب فريق ممتاز من الممثلين ضم: صلاح السعدني، عبد العزيز مخيون، محمود الجندي، أحمد آدم، لبنى ونس، حنان يوسف، لولا محمد، عهدي صادق وعدداً آخر من الممثلين الثانويين» منهم محمد هنيدي الذي ظهر في مشهد كوميدي في بداية الفيلم.
من المزايا التي تحسب لفيلم «شحاتين ونبلاء» أيضاً، أماكن التصوير التي اختيرت بعناية ومعظمها تقع في قلب القاهرة القديمة. كثير من المشاهد تم تصويرها وسط الناس في زمن الكاميرات الـ 35 مم الضخمة الثقيلة وشرائط الخام النيغاتيف المكلفة والشحيحة.
حافظت البكري على ترتيب وتفاصيل الأحداث والشخصيات، وإن اختصرت كثيراً من المشاهد الحوارية الطويلة. كما أضافت مشهداً في بداية الفيلم للعارهات وهنّ يعددن للذهاب لزيارة الأضرحة، تاركات زميلتهن «أرنبة» وحدها في المنزل. وهو مشهد مهم لفهم ما سيحدث بعد ذلك، كما أنه مشهد خفيف محمل بالفكاهة يسبق المشهد الكابوسي الذي تبدأ به الرواية عندما يستيقظ «جوهر» في حجرته الحقيرة، غارقاً في المياه التي تتسرب إليها من غرفة جار ميت يتم «تغسيله».
يلعب صلاح السعدني دور «جوهر» مدرس التاريخ السابق الذي يرفض تدريس الأكاذيب، فيتم فصله. يعيش صعلوكاً هائماً مدمناً للمخدرات، لكن صاحب فلسفة عدمية تجذب إليه عدداً من المعجبين، على رأسهم الموظف الشاب «كردي» والشاعر الدميم «يكن»، والضابط المثلي «نور الدين».
في ظروف بالغة الغرابة، وتقريباً دون سبب واضح، يقتل جوهر أرنبة، ويقوم نور الدين بالتحقيق ويكتشف الجاني. لكن هذه الحبكة البوليسية خادعة، لأن جوهر ليس جانياً حقاً، ولا نور الدين ضابط حقاً، والاثنان يلتقيان في الفراغ في النهاية.
يرسم الفيلم، كما الرواية، صورة نابضة بالحياة لأحد أعرق أماكن القاهرة وأفقرها، وبانوراما لأنماط الشخصيات والأفكار المنتشرة في تلك الفترة التاريخية الحاسمة. ليس فقط من خلال مواقع التصوير للشخصيات الأساسية، ولكن من خلال خلفيات الشوارع والحواري والشخصيات الثانوية والمجاميع.
رغم كل الجهود، يظل «شحاتين ونبلاء» عملاً «نخبوياً» قد يروق المثقفين، لكنه غير جماهيري، وهذا ليس عيباً بحد ذاته، وإن كان العيب الوحيد الذي في العمل هو نبرة التمثيل المرتفعة بشكل مبالغ فيه لبعض العبارات الخطابية مثل مشهد «فلاش باك» صلاح السعدني في الجامعة أو حوار محمود الجندي مع عبد العزيز مخيون.
هذا العيب العابر في «شحاتين ونبلاء»، سيصبح العيب القاتل في فيلمها الأخير «العنف والسخرية» (2003) المقتبس عن رواية أخرى من أعمال ألبير قصيري. لكن الظروف الإنتاجية والإبداعية السيئة التي واجهت العمل حالت دون خروجه بشكل يليق باسم مؤلفه ومخرجته.
«العنف والسخرية» واحد من أجمل أعمال قصيري، وأكثرها تعبيراً عن العصر، ليس فقط عصر الستينيات الذي كتبت فيه، ولكن عصرنا اليوم قبل ثورات الربيع العربي وبعدها. وهي تتميز أيضاً بشخصياتها الحيوية والأماكن التي تدور فيها الأحداث في مدينة الإسكندرية، كما أنها أقل قتامة وأكثر إشعاعاً بالتفاؤل والبهجة والعقلانية من «شحاذون ومعتزون» بما لا يقارن. لكن هذه المزايا لا تظهر في الفيلم إلا نادراً، كما في المشهد الافتتاحي الذي يقوم فيه شرطي بضرب رقبة شحاذ وخلعها، يتبيّن أنه دمية وضعها أحد الثوريين للسخرية من الشرطة والسلطة.
في فيلم «العنف والسخرية»، تستسلم أسماء البكري للترجمة المباشرة لصفحات الرواية، وللحوارات الجافة الطويلة التي قد تناسب الأدب، لكنها لا تتناسب مع السينما إلا في أعمال استثنائية، وخاصة أنها تتردد هنا على ألسنة شخصيات لم يحسن تجسيدها سينمائياً، وممثلين لا يستوعبون أدوارهم أو ما يرددونه بشكل كاف.

يرسم الفيلم، كما الرواية، صورة نابضة بالحياة لأحد أعرق أماكن القاهرة وأفقرها


فوق هذا كله، واجه الفيلم مشاكل كثيرة أثناء إنتاجه وبعده. ما بين بداية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، تغيّر شكل صناعة السينما المصرية كثيراً، ووجدت الأعمال الجادة صعوبة متزايدة في إنتاجها أو حتى عرضها وسط هيمنة الأفلام الكوميدية التجارية. ولم يوزع العمل تجارياً تقريباً، باستثناء قاعة واحدة صغيرة وبعض العروض الخاصة. وهو غير متوفر الآن، مع أنه كما ذكرت يناقش قضية عصرية بالغة الحساسية والأهمية وهي: ما الذي يمكن أن يفعله المثقف الثوري في مواجهة سلطة باطشة تعتمد العنف بأنواعه؟ هل نردّ على العنف بالعنف، أم بالسخرية والتخريب المعنوي لممارساتها؟
بالطبع، لا يمكن القول إن أعمال قصيري «شعبية»، مع أنها تدور حول «الشعب» والطبقات «الشعبية» البسيطة، لكن من خلال عين مفكر نخبوي ونظرة نقدية تشريحية. كما أنها تحفل بمظاهر البؤس والفقر والظلم المستفزة للرقابة ولأصحاب القلوب «الوطنية» الرقيقة. لكن هذه الأعمال تمثل منجم ذهب لكتّاب الدراما السينمائية والتلفزيونية، ينتظر من يغامر بالغطس والتنقيب واستخراج جواهره، لأن أهم ما يميز أعمال قصيري هو قدرته على التقاط الأمور الأكثر جوهرية في المجتمع المصري، مثل العلاقة بين المواطن والسلطة، وعلاقة المصري بالقانون، والنظام والعمل، بشكل عام.