يكشف «تاريخ الإسماعيليين الحديث ـــ الاستمرارية والتغيير لجماعة مُسلمة» (ترجمة سيف الدين القصير، دار الساقي ــ 2013) عن التحولات التي خبرتها الطائفة الإسماعيلية النزارية ضمن جغرافيا متحركة شملت سوريا وآسيا الوسطى والصين وجنوب آسيا وشرق أفريقيا.

الكتاب الذي أعده وأشرف عليه رئيس دائرة البحث الأكاديمي والنشر في «معهد الدراسات الإسماعيلية» (لندن) فرهارد دفتري شارك فيه باحثون مختصون. تأتي أهميته في أنه يقدم مقاربات متميزة عملت على رصد التطور عند الإسماعيليين فكرياً وثقافياً وأدبياً واجتماعياً. ليس العمل توثيقاً لعقائد الإسماعيليين، ولو ألقى الضوء على بعضها، وتحديداً حين يتطرق إلى الإسماعيلية المستعلية، علماً بأن دفتري نشر سابقاً مؤلفاً بعنوان «الإسماعيليون: تاريخهم وعقائدهم».

يُعد الكتاب في دراساته المهمة أول محاولة علمية تغطي التاريخ الحديث لفرعي الإسماعيليين: النزاريين والمستعليين، وخصوصاً إذا قورن بالإسقاط التاريخي والمذهبي الذي تمخضت عنه بعض المؤلفات في العالم العربي، باستثناء محاولات جادة وضعها كتّاب عرب في طليعتهم عارف تامر العلي (1921ــ 1998) صاحب «موسوعة تاريخ الإسماعيلية».
يتناول المنسق الأكاديمي والمدير التنفيذي لـ«المعهد الدولي لدراسة الإسلام في العالم الحديث» (ISIM) ديك دوز، التاريخ الحديث للإسماعيليين النزاريين في سوريا الذين يشكلون حوالى 1 في المئة من السكان. منذ القرنين التاسع عشر والعشرين، تميزت هذه الجماعة المسلمة بعمليتين في إعادة التوجيه والتأهيل: الأولى أتت من الهجرة من جبال شرق البحر المتوسط إلى السهول الداخلية؛ والثانية روحية تتصل بالاعتراف بالآغا خان الثالث إماماً من قبل غالبية الإسماعيليين النزاريين السوريين، ما جعلهم مع مرور الوقت من بين أكثر الجماعات الدينية علمانية في المنطقة. الباحث الذي نشر موضوعات حول التاريخ العثماني المتأخر في سوريا والتعددية الدينية في الشرق الأوسط، يؤرخ للنزاعات التي شهدتها الطائفة في علاقتها المعقدة مع العلويين، وقد غلب عليها الصراع على الموارد الاقتصادية، نافياً التفسير الطائفي. يدرس أيضاً التغيير السياسي والاجتماعي الذي خبره الإسماعيليون منذ الاستقلال وآل إلى انخراطهم في الدولة، وخصوصاً مع مجيء حزب البعث إلى السلطة. يتوقف دوز عند محطات تاريخية عدة من ضمنها زمن الجمهورية العربية المتحدة (1958ـ 1961)، محاولاً تبيان موقف الأقليات منها. المفارقة أنّ المسؤوليين المصرين الذين قدموا إلى سوريا، فوجئوا بتنوّع الجماعات المسلمة، ما دفع جامعة الأزهر في القاهرة إلى نشر تقرير عن الإسماعيليين بعنوان «الإسماعيليون لا يزالون بيننا». اعتراف أكثرية الإسماعيليين السوريين بالآغا خان الثالث السلطان محمد شاه (1877ــ 1957) سمح لهم بإحداث تحول في السياسة الدينية تجلت في استيعاب المثاليات العلمانية في أساليب حياتهم والاختفاء التدريجي للشيوخ الدينيين التقليديين نتيجة الإصلاح الديني.
تشترك الإسماعيلية النزارية مع الإسماعيلية في عقائدها العامة، ويؤمن أتباعها بالأركان السبعة: الصلاة والصيام والزكاة والحج والطهارة والجهاد والشهادة، وبوجود تفسير باطني للقرآن. إلا أنهم على غير فرق أخرى مثل السبعية والمستعلية الطَّيِّبية، لا يؤمن النزاريون بغياب الإمام، فالإمامة متصلة من الإمام علي بن أبي طالب إلى الإمام الحاضر الآغا خان الرابع شاه كريم الحسيني (1936).
في دراسة مشتركة، عرض الباحثان في «معهد الدراسات الإسماعيلية» سُلطونبيك أكسَكولوف وحكيم إلنزاروف أحوال الإسماعيليين في آسيا الوسطى في فترتي العصر الوسيط والحديث. تمّت الإضاءة عليهم من خلال ثلاث زوايا رئيسة: الدين والثقافة والاجتماع. تنتشر الإسماعيلية النزارية على امتداد منطقة السلاسل الجبلية للبامير وهنوكوش وقَرَه قورُم، ويقيم أبناؤها بصورة أساسية في مقاطعة بدخشان المقسمة بين طاجكستان وأفغانستان. تميزت هذه المنطقة بالتعددية الثقافية والإثنية والدينية. كانت المكان الذي تلاقت فيه الديانات الزرادشتية والمسيحية النسطورية والبوذية والمانوية والإسلام. هذا الغنى أدى إلى تنوع لغوي وإثني لدى الإسماعيليين الذين تعرضوا لمضايقات على فترات مختلفة، وخصوصاً من كان منهم في أفغانستان، حيث عانوا إبان عهد الملك عبد الرحمن من تضييق على معتقداتهم وأجبروا على ارتياد مساجد أهل السنّة واضطروا إلى ممارسة التقية. تحدد الدراسة أهم التحديات والتطورات التي تواجه الإسماعيليين في الوقت الحاضر، ولا سيما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وما نتج منه من اضطرابات انعكست على الأقليات في آسيا الوسطى.
غطت الدراسات الأخرى واقع الإسماعيليين النزاريين في الصين وجنوب آسيا وشرق أفريقيا، وبرهنت قدرتهم على التثاقف والتأقلم مع السياقات التاريخية المختلفة، ما دفعهم إلى التكيف وتطوير تراثها الديني والثقافي والأدبي والتعليمي. ومع تعقيدات الهوية ومركباتها التي كرسها التعدد الإثني واللساني بحكم الجغرافيا والهجرات المتتالية، تمكنت هذه الجماعة المسلمة المنتشرة أيضاً في كندا (يصل عددها هناك إلى نحو 70 ألفاً) من تحديث رؤيتها للدين والعالم، واكتسبت أنماطاً جديدة نتيجة اندماجها في الحداثة، وقدرتها على مفارقة البعد التقليدي.
يتطرق الكتاب إلى «شبكة الآغا خان للتنمية» ومؤسساتها، وتشمل هيئات ربحية وغير ربحية تعمل في أكثر من ثلاثين بلداً، وقد تأسست على خلفية المؤسسات التي أوجدها الآغا خان الثالث لتلبية حاجات الجماعة الإسماعيلية في الهند وشرق أفريقيا، وعملت مع الوقت على توفير الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية للناس من جميع الأديان والخلفيات في الدول التي تنتشر فيها.
لم تنحصر سياسات الإصلاحات بطقوس الجماعة وممارستها التعبدية، إذ طاولت قضايا المرأة الإسماعيلية النزارية، حيث عمل الآغا خان الثالث والرابع على تحسين أوضاع النساء الاقتصادية والتعليمية والصحية في بيئات كانت في العموم معادية لهن.
غطى القسم الرابع تاريخ الإسماعيليين المستعليين الطيبيين البهرة في الهند ضمن دراستين منفصلتين. اعتمدت الأولى على التحليل التاريخي والطريقة التي حافظ عبرها البهرة على تماسكهم وحماستهم، كجماعة اتصفت بثقافية ذات نزعة طقوسية تقليدية، وكيف أن قادتها الدعاة كنواب لأئمّتهم المستترين، كانوا القوة الدافعة في توجيه مصير الجماعة وتطور نشأتها في أزمنة متغيرة. أما الثانية، فشملت الأيديولوجيا والأدب والتعليم والممارسة الاجتماعية.
«تاريخ الإسماعيليين الحديث» مؤلَّف تأسيسي أزاح الغموض عن جماعة مسلمة لا نعرف عنها الكثير، بسبب الحمولة التاريخية والإقصائية الزائدة. المستفاد أنّ الطوائف في الإسلام على تعددها كانت وستبقى محركاً لتاريخ ديناميكي إذا نُظر إليها في أبعادها الأنتروبولوجية وأحقيتها في الاختلاف والتفسير والممارسة الطقسية والعقدية.