«يا عاشقة الورد، إن كنت على وعدي، فحبيبك منتظر يا عاشقة الورد» أغنية زكي ناصيف التي تؤديها ببراعة «ريما» (روزي يازجي) على خشبة «مسرح الجميزة» صالحة فقط لمرحلة العزوبية، لما قبل دخول القفص «الذهبي». أما بعد دخوله، فسيصبح الحبيب زوجاً، وكرشاً مندلقاً على الكنبة، منهكاً من روتين العمل والعائلة والزوجة… يهرب إلى البصبصة على الخادمة ويطلب منها «مَسَّاج». قبل أن يهجر «بونانزا» هذا حبيبته المترهلة، ينفد بجلده تاركاً إيّاها تتخبّط في مرارتها وأزماتها الوجوديّة. قد تكون هذه الصورة كاريكاتوريّة، أقرب إلى الكليشيه، لكنّها تعكس الى حد بعيد الواقع... هذا الواقع الاجتماعي الذي اتخذ منه الفنّان الكوميدي الساخر جو قديح مادة لعروضه منذ سنوات.

خلال السنوات الماضية، تحوّل قديح إلى ظاهرة في تعرية المجتمع اللبناني، وإبراز أعطابه وتشوّهاته الاجتماعية والسياسية الكثيرة، ونقلها بطريقة مضخّمة وكاريكاتورية على الخشبة. منذ «لو جوكون»، و«أنا»، و«أشرفية»، و«حياة الجغل صعبة»، و«فيلم سينما»، كان الممثل والمخرج المسرحي يدأب على نقل سطحية المجتمع اللبناني، و«الجغل اللي حياتو صعبة»، ساخراً من غرقنا في فخّ الاستهلاك الذي يبيعنا وهم السعادة والحياة المثالية مقابل انحسار المعالم الحضارية الحقيقية.

هكذا، شاهدنا تغوّل ناطحات السحاب في عرضه «أشرفية» وابتلاعها الأبنية التراثية التي كانت أشبه بـ «جواهر» صغيرة في فضاء المدينة، ومع هذا التغول، اندثرت طبقة اجتماعية كاملة من أحياء
المنطقة.
خلال عروضه تلك، كان قديح هو الذي يدير اللعبة على الخشبة: يخبرنا «الحدوتة»، يلعب على الكلام، يخلق «القفشة»، ويصنع السخرية من الأحداث. لكنّه في مونودراما «ريما» التي تقدّم حالياً في «مسرح الجميزة» الذي افتتحه أخيراً قديح في قلب شارع البارات والسهر، فقد انسحب إلى الكواليس ليدير اللعبة مؤلفاً ومخرجاً، ويترك البطولة للمرأة، أفليس هذا العمل أصلاً عن
المرأة؟
بضحكتها العريضة وباروكتها الشقراء، تطلّ علينا روزي يازجي العائدة إلى التمثيل بعد غياب سنوات. على مدى ساعة وربع الساعة، سنشاهد حيوات أنثوية كاملة على الخشبة: الأم التي أعياها روتين الحياة العائلية، والزوجة التي قرفت من مغامرات زوجها، عاشقة التمثيل التي انتهت حياتها مدرّسة بعدما ابتلع الواقع أحلامها وطموحاتها، وامرأة بدينة وقعت في فخ الاستهلاك وانطلت عليها إعلانات الشركات بحثاً عن الجسد المشتهى. وبين هذا وذاك، تمرّ مكابدات المرأة اللبنانية مع منح الجنسية لأطفالها أو استعراض ظاهرة عاملات المنازل...
ورغم أنّ المواقف هي درامية في صلبها، إلا أنّ الفكاهة ستخرج من اللعب على الكلام، أو من تطوّر الأحداث. ومع أنّ بعض المكامن في نصّ العمل كانت ضعيفة، إلا أنّ يازجي بذلت جهداً كبيراً في نقل المواقف بحركات جسمها المتوتّرة والهستيرية. أعمال قديح التي تجعلنا نضحك لرؤية تشوّهاتنا في مرآة مضخّمة، تلقى إقبالاً من روّاد هذا النوع من المسرح. هي بكل بساطة، لا تدّعي التحريض، بل ترفع شعار الإضحاك بعدما تغوّلت تشوّهات المجتمع اللبناني حتى استحال العلاج!




«ريما»: حتى 16 شباط (فبراير) ــ «مسرح الجميزة» (بيروت) ــ للاستعلام: 76/409109