قبل أسابيع، احتضن فضاء «زقاق» ثلاثة عروض فقط من مسرحية «وهم» للمخرج اللبناني كارلوس شاهين (أداء جوزيف زيتوني، سيرينا شامي، كارول الحاج، ووسام فارس)، على أن يعاد عرضها خلال الأشهر المقبلة. «وهم» (كتابة إيفان فيريبايف وترجمة/ لبننة جوزيف زيتوني) التي تعدّ العمل الرابع لشاهين بعد «مجزرة»، و«بستان الكرز»، و«كيف كان العشا؟»، تعيد الممثل والمخرج المسرحي والسينمائي اللبناني إلى حرفته المحببة، أي الغوص داخل المشاعر البشرية لاستنطاقها وكشف معانيها وأبعادها. تحكي «وهم» عن الحب بلا مواربة، طارحة الأسئلة الصعبة. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه في المسرحية، هناك أربع شخصيات موجودة وغير موجودة في آنٍ، هي متجسّدة على المسرح أمامنا ولكنها في الوقت عينه غير موجودة في قلب القصة. إذ ليس الممثلون هم أبطال القصة، بل هم رواة يحكون الحكاية، ويعدّلون عليها، لا بل إنهم يكذبون في روايتها أحياناً، ليعودوا ويخبرونا بأن ما سمعناه كان مزاحاً. تحكي المسرحية قصة أربعة أشخاصٍ هم: داني، ألبرت، مارغريت، وساندرا. هم أصدقاءٌ منذ زمن ناهزوا الثمانين. تتعقّد القصة مع رحيل الشخصية الأولى من القصة: داني، زوج ساندرا والصديق الأعز لألبرت. يشكر داني زوجته على الحب الذي أعطته إياه، لكن المفاجآت تتوالى بعد ذلك. هي قصةٌ تجريبية أرادها صاحب النص الأصلي المخرج والكاتب والممثل الروسي إيفان فيريبايف (1974)، قصة تخلط المباشر الواقعي، بالمتخيّل والمتذكّر.

نحن أمام عمل مسبوك بعناية، وإن بدا ثقيلاً في ربع ساعته الأولى؛ إذ يقبع المشاهد أمام سطوة الرواية الأولى، غير مدرك لأسلوب المسرحية الحديث بعض الشيء. وقد لعبت خشبة مسرح «زقاق» وتكوينها الدور في زيادة «السطوة» التي نتحدث عنها، إذ إنها ليست «خشبة» بالمعنى التقليدي. بالتالي أصبح المشاهد جزءاً من المسرح بحد ذاته، وهو أمر إيجابي، ولكنه في بعض الأحيان يكسر تلقّي المشاهد للقصة. يظل المشاهد في الربع الساعة الأولى منتظراً، ربما أن تأخذ الشخصيات أدوارها المعتادة. بعد مرور الوقت، يجد نفسه أمام العمل كما هو، ومن هنا يصبح فعلياً جزءاً من العمل الذي بدا واضحاً الجهد المبذول فيه. لناحية الممثلين، يمكن القول بأنّ المسرحية أعادت وموضعة سيرينا شامي التي شاركت شاهين في عمليه السابقين (كيف كان العشا؟، وبستان الكرز). لا تبذل شامي جهداً كبيراً لإظهار مشاعرها، بل تبدو كأنّها «خلقت» لأدوارٍ كهذه. جوزيف زيتوني بدوره ربما يكون الوحيد الذي لعب على الأضداد في المسرحية، إذ يلامس الشخصية التي يرويها بطريقتين مختلفتين، فهو يتنقل بين الجدية المطلقة والهزل المطلق. يضحك بصورة هستيرية ثم يتحدث في المشهد التالي بحزنٍ شديد. من ناحيتها، أعطت كارول الحاج كما هو متوقع من ممثلة محترفة مثلها، بينما بدا وسام فارس أنّه يحتاج للغوص أكثر في الشخصية لإعطائها عمقاً أكبر.

يعود المخرج إلى ملعبه الأول: العلاقات والمشاعر المتشابكة


إخراجياً، يبدو كارلوس شاهين محباً للتجريب، وللتغيير في المسرح اللبناني، فهو يكمل ما بدأه في «كيف كان العشا؟» لجهة العلاقات الرباعية والحب والصراعات التي تتأتى في هذا النوع من العلاقات وإن ابتعد تقنياً عن طريقة «الرواية/ القصة» المعتادة واتجه صوب الـTell Tale، القائمة على «الرواة الحكائين» لا «الممثلين». القصة مسبوكة ومترجمة بعناية، الممثلون مختارون بشكلٍ جيد، لكن ذلك لا يعني أنّ العمل سهل، إذ يبدو أن شاهين قد بذل جهداً كبيراً في إخراجه بهذا الشكل المتقن من خلال التفاصيل الكثيرة المتناثرة هنا وهناك.
باختصار؛ «وهم» عمل مسرحي تجريبي معاصر، قد لا يعتاده البعض، ولكنه ضروري لتطوير حركة المسرح في العالم العربي. جهدٌ كبير، وأداء متميز يمكن المراكمة عليه لأعمالٍ قادمة سواء للمخرج نفسه أو للممثلين.