تحت عنوان «الكتابة من أجل المسرح في لبنان: واقع وتوجهات مستقبلية»، نظمت كلية الموسيقى في «جامعة الروح القدس – الكسليك»، و«محترف الفنون المسرحية» التابع لقسم الفنون المسرحية فيها، بالتعاون مع «المدرسة الوطنية العليا للفنون وتقنيات المسرح» الفرنسية ENSATT مؤتمراً دولياً في حرم الجامعة في الكسليك. المؤتمر الذي يعد الأول من نوعه في لبنان، جمع نخبة من أبرز نجوم المسرح والكتّاب والممثلين والنقاد والمخرجين والسينمائيين والصحافيين والأكاديميين، إضافة إلى الاختصاصيين الموفدين من المدرسة الوطنية العليا للفنون وتقنيات المسرح الفرنسية، الذين بحثوا في واقع الكتابة المسرحية وتطوّرها وعلاقتها بالحياة اليومية التي نعيشها وآفاقها، ضمن المحاور التالية: المسرح في لبنان بتوقيع نسائي؛ المسرح في لبنان والحرب؛ المسرح للفكاهة؛ المسرح باللغة الفرنسية؛ والكتابة المسرحية. كما جرى تكريم أحد روّاد العصر الذهبي للمسرح اللبناني الكاتب والمخرج المسرحي والممثل جلال خوري، الذي أثرى المسرح اللبناني بأعمال غنية، أسهمت في نهضته.افتتح المؤتمر بالنشيد الوطني اللبناني والفرنسي، ثم كلمة لرئيسة قسم الفنون المسرحية في الكلية لينا سعادة جبران أشارت فيها إلى أنّ «هذا المؤتمر يهدف إلى البحث في وضع الكتابة الدرامية في لبنان وتحليل تطورها والتفكير بآفاق جديدة لها. ويشكل أيضاً وقفة تكريمية لرواد المسرح اللبناني، الشهود على ولادته وازدهاره في الستينيات. هذا وتعرف المسرحيات المعاصرة، بفضل ممثليها ومخرجيها، توسعاً فعلياً حيث تسقط المحرمات على مستوى المضمون. وتستمد المواضيع المطروحة موادها، في غالبية الأحيان، من معاناة المجتمع اللبناني المُصاب من جراء سنوات الحرب وظروف اقتصادية صعبة ومشاكل اجتماعية غير مُعالجة حتى الآن، من مثل الهجرة والبطالة والعنف ضد المرأة ورفض قبول المثلية الجنسية والانقسام الديني-الاجتماعي ومشاكل اللاجئين. وعندما يُصار إلى معالجة هذه المشاكل على خشبة المسرح، تتم معالجتها من زاوية درامية مع صبغة كوميدية بشتى جوانبها. وتتم هذه المقاربة من خلال استذكار لمآسي الإنسانية التي تركت جرحاً غائراً». وتابعت: «في هذا الإطار، ندعم كل من يكمل العمل، على نفقته الخاصة، في سبيل بقاء المسرح في لبنان. ولهذه الغاية، يقوم مركز «فينيكس للدراسات اللبنانية» في الجامعة بجمع الأرشيف من صور ومقالات صحافية ومخطوطات ومراسلات بهدف وضعها على شبكة الإنترنت بموجب برنامج إلكتروني لتستفيد منه العامة من طلاب ومحللين ونقاد وباحثين. كما أنه يمكن أن يقوم المركز بنشر أعمال المؤلفين الدراميين بناءً على طلبهم».
قدم رفيق علي أحمد ورقة بعنوان «الممثل – الحكواتي في المسرح اللبناني المعاصر»

ثم كانت كلمة لعميد كلية الموسيقى الأب بديع الحاج الذي أشار إلى أنّ «المسرح يحتل مساحة استثنائية في الأدب لأنّه يضم النص والمشهد على حد سواء. وتتم كتابة النص المسرحي ليصار إلى تمثيله أي أنه يتجسّد في كلمة حّية ويُترجم بصرياً. وإنّ هذه الخصوصية تتطلب قراءة خاصة. وهكذا إنّ القارئ مدعوٌ ليتخيّل نفسه بأنه المشاهد كي يتلقّى النص بمختلف مضامينه، وذلك لأنّ العمل الدرامي يكتسب دلالته الفعلية فقط من خلال الإخراج». ثم نوّه «بأهمية هذا المؤتمر الذي من شأنه أن يجيب على مجموعة من الأسئلة: ماذا نكتب؟ كيف نكتب؟ إلى من نكتب؟ ولماذا نكتب؟ وكان لقسم المسرح الذي جرى ضمّه قبل سنتين إلى كلية الموسيقى الفضل في إضافة غنى إلى البرنامج الذي تقدمه كليتنا التي تُعرف بكونها فرح جامعتنا وروحها. فكما يقول أفلاطون: الموسيقى تعطي روحاً لقلوبنا وأجنحة للفكر. وشكّلت الموسيقى والمسرح وسيلتي تواصل خالدتين. وقد عرفتا، منذ القدم وحتى يومنا هذا، تطوراً متواصلاً من دون أن تفتقدا أياً من وظائفهما أو فرادتهما. وختاماً، أدعو الطلاب إلى أن يكونوا فاعلين وجاهدين للاستفادة من هذا المؤتمر الذي يهدف إلى إغناء معرفتهم وخيالهم».
وألقت مديرة الدراسات والإنتاج في «المدرسة الوطنية العليا للفنون وتقنيات المسرح الفرنسية» أوبافكا زاريك كلمة لفتت فيها إلى «أن المدرسة تضم عشرة اختصاصات في فنون المسرح. وهي ليست فتيّة وستحتفل قريباً بعيدها الثمانين، كما تسعى بصورة دائمة إلى التجديد والتأقلم مع المتغيرات السريعة التي يشهدها العالم، فضلاً عن مواكبتها للتطورات التي تطرأ على المهن التي تدرّسها». وذكّرت باتفاقية التعاون المعقودة سابقاً بين «جامعة الروح القدس» والمدرسة، معلنة أن هذا المؤتمر يشكل إحدى الثمار الأولى لهذا التعاون. هذا وسيأتي 3 طلاب من المدرسة إلى جامعة الروح القدس في كانون الثاني (يناير) المقبل للمشاركة مع نظرائهم في تحضير عرض مسرحي تحت إشراف المخرج ناجي صوراتي.
كما تحدث المسؤول عن قسم الكتابة المسرحية في «المدرسة الوطنية العليا للفنون وتقنيات المسرح» الفرنسية انزو كورمان الذي استهل كلمته بتوجيه الشكر لطاقم قسم الفنون المسرحية في جامعة الروح القدس، خاصاً بالذكر الدكتورة لينا سعادة جبران، على تنظيم هذا المؤتمر البالغ الأهمية، «لأنه يتيح لنا فرصة التعرّف والغوص في غمار المسرح في الشرق الأوسط عموماً والمسرح اللبناني خصوصاً، اللذين لا نعرف عنهما الكثير. فالهدف يكمن في توفير فرصة أساسية للتعلّم وتشارك المعلومات وتبادل الخبرات». وأعرب عن سروره للالتقاء مباشرة بطلاب جامعة الروح القدس، من أجل مواكبتهم في الكتابة المسرحية، معتبرًا في ذلك فرصة مميزة لتبادل مثمر وفعّال.
روجيه عساف في المؤتمر

ثم كانت كلمة لرئيس «جامعة الروح القدس- الكسليك» الأب البروفسور جورج حبيقة نوّه فيها بأهمية المسرح في حياتنا اليومية. وقال: «إن الحدود هي متداخلة بين تجاربنا ويومياتنا من جهة، والمسرح من جهة أخرى، حيث إننا لا نعد نعلم أين يبدأ المسرح وأين تبدأ حياتنا الفعلية. فكما يقول شكسبير «الدنيا مسرح كبير، والجميع، رجالا ونساء، ما هم إلا ممثلون على هذا المسرح. وفي حياتنا كلها، نقوم بأدوار عديدة». ويملك المسرح طابعاً جديّاً يميزه، فكما يقول المسرحي جول رينار «نريد حياةً في المسرح، ومسرحاً في الحياة». وهكذا تتلاقح حياتنا بالمسرح والعكس صحيح ليصبح المسرح المحرك الأساسي في حياتنا اليومية». وأكد: «يرتبط الإبداع المسرحي ارتباطاً وثيقاً بالحرية، ومن دون حرية التعبير هذه يصبح المسرح نشاطاً فنياً مجوفاً ومبتذلاً. وهكذا، يشكل المسرح والحرية ثنائياً من الابتكار والإبداع بهدف نقل صورة المجتمع بأمانة على خشبة المسرح ومناقشتها بجدية».
وأضاف: «يعالج هذا المؤتمر موضوع المسرح اللبناني، وهو موضوع يعني لنا الكثير، لأنّ لبنان هو البلد الوحيد في الشرق الأوسط الذي يتمتع بهذه الحرية التي تكسر حدود المحرّمات. وإنّ المسرح اللبناني قادر أن يكون مرجعاً للعالم أجمع، بفضل طبيعة مجتمعنا اللبناني الذي يتميّز بتعددية فريدة ومكوّنات ثقافية وطوائف دينية متنوعة، مما يشكل مادة دسمة للمسرحة، على أمل أن يتعاطى اللبنانيون بكل جدية مع المسرح لإثرائه بابتكارات مستمرة، بغية دفع الإنسانية إلى مزيد من التمحص والتبلور والتألق من خلال النقد المعقلن والهادف والفكاهة الراقية».
ثم انعقدت جلسة مكتملة، ألقى فيها الكاتب روجيه عساف محاضرة عن «المسرح وتدمير المدينة» Le théâtre et l’urbanocide ، ليتابع بعدها المؤتمر جلساته على مدى يومين. كما تخلله شهاداتان، الأولى لجيرارد أفيديسيان بعنوان: «كيف تساهم السياسة في قتل الكاتب المسرحي؟» والثانية لرفيق علي أحمد بعنوان: «الممثل – الحكواتي في المسرح اللبناني المعاصر».
وتجدر الإشارة إلى أنه عُرضت مسرحية حنان الحاج علي بعنوان Jogging قبل البدء بأعمال المؤتمر.