عكّا | كان الشتاء يقترب إلى تحقيق نفسه في سماء الناصرة ذلك اليوم: شارع ضيق في «حارة السوق» لا يتسع لسيارة، وبيوت تتلاصق جدرانها. أمام البيت، بوابة حديدية توصلنا إلى حديقة مزروعة بأشجار الليمون والبرتقال، قبل أن تستقبلنا صاحبته ريم بنّا. الحديث الأول بالطبع سيكون حول زيارتها أخيراً «متحف الفنّ الإسلامي» في برلين لتسلّم جائزة «مؤسسة ابن رشد للفكر الحرّ 2013»، التي منحتها إياها لجنة تحكيم مؤلفة من أستاذ الموسيقى الفلسطيني غاوي ميشيل غاوي، وكل من الفنان التونسي لطفي بوشناق، والسوري مالك جندلي والعراقي نصير شمة.


استحقت بنّا الجائزة عن «الكلمة والموسيقى التي تنادي بالإنسان وحريته وكرامته وتطالب بطموحاته». تقول لـ«الأخبار» إنّ اختيارها من بين هذا الكمّ من الفنانين رشحوا في مجال الحرّية والأغاني الثورية، «يعني لي الكثير، وخصوصاً أنني إنسان يقدّس الحرية الشخصية». في رحلتها، أنجزت بنّا 12 ألبوماً؛ من بينها «جفرا» (1985)، و«دموعك يا أمي» (1986)، و«قمر أبو ليلة» (1995)، و«مكاغاة» للأطفال (1996) و«وحدها بتبقى القدس» (2002)، حيث اشتهرت بتقديم الأغنيات التراثية والفولكلورية الفلسطينية والتهاليل بأسلوب موسيقي حديث. أما الكلمات فهي قصائد لمحمود درويش، وتوفيق زياد، ووالدتها زهيرة صباغ، وسيدي حركش، ومحمود هشهش وآخرين، لحّنها جاكوب جاديجارد فراندسين، وهنريك كويتس وزوجها السابق ليونيد ألكسيينكو، إلى جانب ألحانها الخاصة.
اليوم، بدأت بنّا تفكّر بالتحضير لألبومها الجديد، الذي يتوقع أن تصدره هذا العام. لكنها لا تزال تبحث عن توجه جديد قد يتمثّل في أغنيات باللهجات العامية المتنوعة. كما ستقدّم أمسية في مصر في أيار (مايو) ضمن عملها مع منتجها النرويجي إيريك هيليستاد الذي يعمل على مشروع موسيقي عن الثورات، تشكّل مصر إحدى محطاته. التقت بنّا بإيريك في فلسطين قبل 11 عاماً، حين كان يبحث عن تهاليل لمشروعه الموسيقي «تهاليل من محور الشر». حينها كان لديها مشروعها الذي خصصت جزءاً كبيراً منه للتهاليل. لكن هذه المصادفة أدت إلى إنتاج ألبومات عدة؛ آخرها «تجليات الوجد والثورة» الذي أطلقته في تونس العام الماضي.
تعود انطلاقة بنّا الفنية إلى الطفولة يوم أجبرتها والدتها الشاعرة زهيرة صبّاغ على الغناء. ولهذا تركت الأخيرة أثراً كبيراً عليها، كمناضلات أخريات، مثل: ليلى خالد، جميلة بوحيرد وسناء محيدلي. ثم أصبحت والدتها تجبرها على غناء التهاليل (كما صرّحت ريم ضاحكة)، إلى أن تزامنت مراهقتها مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان لتراكم تأثرها بالفدائيين.
بسبب صعوبات الإنتاج والدعم، يختار بعض الموسيقيين الفلسطينيين الاستقرار في الخارج. لكن هذه الأزمات لم تدفع ريم إلى التفكير بترك الناصرة، رغم دراستها في موسكو. «إذا رح أتركها، رح أبطل ريم بنّا، ولن يعود بإمكاني الحديث عن معاناة الناس وأنا بعيدة» تقول لنا. هكذا، تحضر فلسطين كلّ الوقت في هُويتها الفنية، هي التي تؤمن بأنّ الظروف التي تواجه الفنان الفلسطيني كافية لإنتاج مبدعين. لم تكن البدايات سهلة لبنّا. لقد أعطى الإنترنت مساحة لانتشار أغانيها على اليوتيوب والفايسبوك. كذلك لم يمنعها بقاؤها في فلسطين من إقامة الحفلات عبر الإنترنت، إذ كانت من أولى الفنانات اللواتي قررن تنظيم أمسيات، من بيتها في الناصرة إلى كلّ من بيروت ودمشق وغزة، قبل أن تتمكن من زيارة بيروت ودمشق.
بعد سنوات طويلة من مسيرتها، تعتبر بنّا أنّ هناك محطتين مفصليتين في حياتها: الأولى ألبوم «تجليات الوجد والثورة» وهو عبارة عن قصائد صوفية، وقصائد معاصرة وأغنية باللهجة التونسية لحّنتها كلها بعد انفصالها عن زوجها. أما المحطة الثانية، فهي إصابتها بالسرطان منذ أربعة أعوام، إذ تعتبر مرحلة علاجها ثورة تماماً كـ«تجليات الوجد والثورة»، وخصوصاً أن كليهما شكل حالة ثورة على نفسها تزامناً مع أحداث العالم العربي.