حين ينصرف الناس، لا يبقى المسرح وحيداً. تلازمه السلاسة والقصص وأطياف الأبطال والدهشات المتروكة في فضاء الصالة. دارت أفكار «مهرجان لبنان الوطني للمسرح» عشرة أيام. الافتتاح يوم الثالث من الجاري، ثم اختتم أول من أمس، بإعلان لجنة التحكيم المسرحيات الفائزة. المهرجان اتحاد بتراب المسرح أولاً، بروح المسرح على الدوام. لأن الدورة الأولى، دورة أنطوان كرباج، قطعة فريدة حتى اللحظة، ستفقد هذه الفرادة في الدورة الثانية والدورة الثالثة وهكذا. لأن شرط الدورة الأولى أن تدافع بحرارة وقوة عن الدورة الثانية، أن تمهد للدورة الأخرى. الدورة هذه مرشد المهرجان إلى دوراته الأخرى. لأن المهرجان لا علاقة له بالحضورات الملكية. لا أردية فخمة ولا صولجان. لا علاقة للمهرجان المأخوذ بملاحظات الدورة الافتتاحية إلا بصورة الناس في الصالة وهم يكتبون قصة المسرح من جديد بحضورهم الجمعي، بحضورهم الشعري. علاقة جمهور المهرجان بالمهرجان علاقة شعرية. هكذا، احتشد الناس على مدى العروض كما لو أنهم مشاهد واحد توزع الكنبات. صورة طبعها الجمهور ونشرها في الآن ذاته. جمهور المهرجان نكهة المهرجان. رد الجمهور على كل الشائعات والمقولات المغرضة حين مضى بصحبة الجمهور فخوراً بالعروض وبإرادات من رغب بالعمل على التخفيف من قوى الانفصال عن المسرح. سبعة عروض لا علاقة لها بميكانيكيات إنتاج المسرحيات وحدها لأنها تشهد على ما تبقى من مجد المسرح بغضب المسرح وحب المسرح وحرائق المسرح. «فريزر» لبيتي توتل، «حكي رجال» للينا خوري، «البحر يموت أيضاً» لأنطوان الأشقر، «وهم» لكارلوس شاهين، «البيت» لكارولين حاتم، «شخطة شخطتين» لباتريسيا نمور، «الديكتاتور» لسحر عساف. جزء من ذاكرة المسرح خلال العامين الماضيين. جزء من ريبرتواره. واحد من بنود البروتوكول القائم بين «الهيئة العربية للمسرح» (مبادرة من حاكم الشارقة سلطان بن محمد القاسمي) ووزارة الثقافة في لبنان.

لا أفكار حزينة عند المسرحيين، لأن حضور المسرح في المساحة المشتركة على خشبة «مسرح المدينة» انتصار المسرحيين في لبنان، كل المسرحيين. لأن اللقاء ضد الكراهية، لقاء من حضر بالحضور ومن حضر طيفه ولم يحضر. كل مسرحية مشارِكة فائزة، ولو لم تفز بجائزة لأن الحضور في القائمة القصيرة هو فوز. تسمية المسرحية بين العروض المشاركة فوز لأن الفكرة الأساس: لا مناقشة تقوم على الحساب. الفكرة الأساس أن يستضيف المسرح المسرح على منصة واحدة وفي فضاء واحد. لم ينته الأمر عند الجوائز. باتريسيا نمور لم تتهافت على خطب ود الجمهور عبر واحد من أكثر النصوص راديكالية. ديوان من الجمل التقنية تدور حول موضوع العقم والإنجاب. نص تضحية من أجل مواصلة الحب. هكذا وجدت الممثلة/ الراوية وسط السخط والجنون بعدما قررت ربط حياتها بفكرة واحدة. الإمساك بنص على هذا المستوى جائزة الجوائز. نص صعب، دقيق، يتضاعف حضوره إلى درجات خطيرة كلما تقدمت المسرحية في ذاتها. لا ينقذ النص لا المال ولا بعض الحلول الإخراجية. لا ينقذه سوى حضور ممثلة من وزن باتريسيا نمور، جاءت إلى النص مما حدثتها آلامها فيه على صعيد الموضوع المطروح. نص لينا خوري انبنى على مواجهة ضمير الموسيقى. نصها مؤلف على ما تؤلف القطع الموسيقية. تفريد وسلطنة، إيقاعات قصيرة وإيقاعات طويلة، تحاميل وبشارف وأرباع الصوت. هذا نص لا يقوم فيه فرد على الآخر لأن الواحد هو الآخر. إذا قتل الممثل الممثل الآخر يموت. تشبعت خوري بقسط وافر من الثقافة المسرحية، غير أنها حتمت على نفسها بناء ما لا يستعمل كالبرج عند زاوية المسرح. ملاحظة لا تخفف من الاحتياط المسرحي الشديد للمخرجة الجريئة.

عرض كارلوس شاهين قاس يكتشف الأزواج فيه أنهم ضيوف بغضاء على بعضهم


لم تحرم بعض التفاصيل الضائعة عرض خوري من قواه الكبرى. لازمتها الرغبة الجديدة بحكي الرجال بعد «حكي نسوان»، هكذا أرسلت دعوتها إلى المسرح مرة أخرى. في عرض كارلوس شاهين «وهم» الدراما مِن قتل الدراما، والأداء مِن تجريد الأداء بدفعه من منطقة الحرارة إلى منطقة لا تزداد قسوتها وشراستها إلا من خلال تبليد الأحاسيس. أحاسيس أربعة أزواج اكتشفوا بعد نصف قرن أن الوفاء واحدة من خدع الحياة وأن العيون الصائبة لا تستطيع، على الدوام، أن تفهم حالات الصراع النفسي والمعاناة والجنون في العلاقات وسط عوارض الحب. ثمة الكثير من تشيخوف في نص المسرحي الروسي فيريبايف. ثمة نقر في رؤوس المشاهدين من خلال التلاوات الطويلة أمام جمهور لم يتعود على هذه التلاوات. ثمة تغريب: ممثلون يلهون وراء طاولة في انتظار أدوارهم، ثم الفانوس السحري، فانوس بيسكاتور وبريشت (الفيلم). عرض قاس يكتشف الأزواج فيه أنهم ضيوف بغضاء على بعضهم في الكثير من الأوقات. لعن زواج يقيد ويحرم الزوج والزوجة من الحرية. عرض «البيت» لكارولين حاتم عن المصائب والنكبات بين أفراد العائلة الواحدة. ميزان النص الأداء. امرأتان تتصارعان على مفهوم الأخلاق إثر موت والدتهما. واقعية النص ذي الساعة الذهبية جارته واقعية الإخراج، بحيث بدا النص والإخراج على أسلوب وطريقة واحدة حوّلت فيه الممثلتان يارا أبو حيدر وجيسي خليل الواقعية إلى واقعية سحرية. «فريزر» بيتي توتل لا تمجد إلا الأبطال المهزومين. أم لا تنفك تطبخ وتطبخ لكي تداوي آلامها بعد سنوات الزواج الطويلة. في النص كل حكايات البلاد، الماء والكهرباء وقطع الطرقات والهجرة والتهجير. مسرحية «البحر يموت أيضاً» نص يقف بالمرصاد لعهد لوركا والفاشية الإسبانية عبر توليفة خدمت العرض، غير أنها بقيت أقوى من العرض ذاته.
«ديكتاتور» سحر عساف عن نص الكاتب الراحل عصام محفوظ، نص تقشف بليغ. فكرة جنون بلاد لا تستوضح الأمور إلا بالثورة لا بطرح الأسئلة الحكيمة. الجنرال وسعدون ينالان من كرامة الأشياء وهما يؤكدان أن لا مجال للتسامح في الحروب والثورات. التقشف سمة عروض المهرجان، تقشف غير ممتقع، تقشف/ قصر لا يقدم أصحابه تقاريرهم السرية به إلا عبر نصوص وازنة. يعقد النص ذراعيه على صدره. أمام فرق العمل أن تقف أمام النص بالكثير من الأناة والتخييل لإخراجه مما يعتقده أصحاب النصوص خطيئة. لا تمتنع الطبقات الراقية عن مشاهدة عروض فقر العناصر لأنها الأدرى بأن فقر العرض هو عنصر ثرائه الأول. ثمة نبل في كل العروض، حين لم يتهالك مسرحي على كرسي وهو يستعرض حياته على الخشبة، على منصة انفجرت كل يوم بما لا يوافق الحال إلا بأحوال المسرحيين والمسرح.



الجوائز
أفضل نص: مسرحية «البيت» لأرزة خضر
أفضل ممثلة: يارا أبو حيدر عن «البيت»
أفضل ممثل: غبريال يمين عن مسرحية «حكي رجال».
أفضل إخراج: لينا خوري عن «حكي رجال»
أفضل سينوغرافيا: مسرحية «شخطة شخطتين» (ماريز عبد المسيح) لباتريسيا نمور.
أفضل مؤثرات وديكور: «فريزر» لبيتي توتل.
أفضل عرض: «وهم» لكارلوس شاهين.
جرى التنويه بنص «البحر يموت أيضاً» لأنطوان الأشقر وبأداء جيسي خليل في «البيت»