بغداد | مرّ عام 2018، من دون تحوّلات نوعيّة في مشهد الثقافة العراقيّة، على صعيد الإنتاج الإبداعي واحتضان المواهب ودعمها. إذ بقيت الملامح الإيجابية في الأشهر الماضية مرتبطة فقط بالمبادرات الفردية وإصرار بعض المقاهي والتجمّعات على استمرار الحراك الثقافي. كما شهد هذا العام إطلاق صالات فنية جديدة وتأسيس دور نشر، مع غياب عدد من الأسماء العراقية المعروفة في ميادين إبداعية وفكرية شتّى.

لعلّ الحدث الأبرز هذا العام، هو تنظيم عدد من المثقفين حملة مقاطعة للانتخابات البرلمانيّة الأخيرة في أيار (مايو) الماضي، ونجاحهم في تحويلها إلى تيار شعبي واسع، بالإفادة من مواقع التواصل الاجتماعي، عبر هاشتاغات وكتابات عدة. الأمر نفسه (أي المقاطعة)، كان موضع خلاف بين عدد من الكتّاب المؤيّدين والرافضين له.
وصار واضحاً هذا العام، افتتاح شباب للمزيد من المكتبات في المولات التجاريّة في العاصمة، ومنها مكتبة «مكنزي» التي افتتحت في «مول بغداد»، وافتتاح فروع جديدة لمكتبة «درج».
ومن بين الأسماء التي رحلت هذا العام: المفكّر فالح عبدالجبار، والروائي والقاص سعد محمّد رحيم، والشاعران عريان السيّد خلف وجمعة الحلفي، والباحث قاسم محمّد عبّاس، والفنّانون طه سالم وشفيق المهدي وسحر طه، والكاتبة ديزي الأمير، والموسيقار طارق حسون فريد، ورسّام الكاريكاتور عبد سلمان البديري، والملحن عبدالحسين السماوي.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت بغداد ثلاثة أحداث: الأول افتتاح «دار معنى للثقافة والفنون» في حيّ المنصور بجانب الكرخ، ومن ثمّ افتتاح «مركز باليت للثقافة والفنون» في حيّ الكرادة، وتبعها انطلاق غاليري جديدة باسم «عناوين» في حيّ الأعظمية بجانب الرصافة. هنا لا بدّ من القول إنّ «معنى» التي صارت منصة لعقد ندوات ثقافيّة، لا مكتبة فقط، و«عناوين» الذي هو أكثر من غاليري، وإنّما معهد وملتقى أعلن عن دوراته في الموسيقى والنحت وكتابة السيناريو والإخراج، كسرا المركزيّة التي حازتها الكرّادة بوصفها حيّاً احتشدت فيه ــ منذ نيسان (أبريل) 2003 ــــ الأنشطة الثقافيّة والكتّاب والفنّانون أيضاً.
ومثّل تأسيس منشورات «نابو» التي انطلقت من شارع المتنبي، تجربة جديدة لروائي معروف هو أحمد سعداوي في عالم النشر، وقد أطلقها بالتعاون مع الكتبي سامر السبع، وسبقه في ذلك بعام زميله الروائي علي بدر، الذي يشرف اليوم على دار «ألكا». و«نابو» هو إله الكتابة والحكمة الذي عدّه البابليون القدماء ابناً للإله مردوخ، إذ أشارت إليه المصادر في العصرين الآشوري والبابلي.
وكانت دورة معرض بغداد للكتاب هذه السنة، ناجحة ومميّزة، لجهة الحضور الشبابي الكثيف الذي شغل أغلب أجنحة المعرض، إلا أنّ الكثير من الملاحظات تقال عن المنهاج الثقافي والمدعوين من العرب، إذ ليس صحيحاً أن تتمّ دعوة ناشط عربي لا علاقة له بالأدب والثقافة إلى المعرض، فقط لأنّه يتقن اللهجة العراقيّة ويتحدّثها بطلاقة، بينما عشرات الكتّاب العرب يجري تجاهل دعوتهم.
وتجدّد الجدل بشأن رواية «ساعة بغداد» (دار الحكمة- لندن 2016)، ومؤلفتها شهد الراوي، بعد فوزها بـ «جائزة مهرجان أدنبرة للكتاب». لم يكن السجال السياسيّ عن حقبة صدّام وما بعدها بعيداً عمّا دار من تعليقات وردود أفعال، بين من عدّ الرواية مفتقرة لشروط الكتابة الإبداعيّة، وبين من عدّ الهجوم عليها «منهجاً ذكوريّاً يستهدف المبدعات من النساء».
وأكّدت رسالة الشاعر فاضل العزاوي إلى الرئاسات الثلاث التي نشرها قبل أسبوع، واقع البيروقراطية في العراق، إذ ناشد صاحب رواية «القلعة الخامسة» هذه السلطات، باسترداد بيته المُصادر من قبل النظام السابق، كما ندّد الوسط الثقافي ببيع قطعة أثريّة تعود للملك آشور ناصربال من قبل دار «كريستيز» للمزادات في نيويورك.

ناشد فاضل العزاوي الرئاسات الثلاث باسترداد بيته المُصادر من قبل النظام السابق


وكان ملاحظاً حراك وحيوية نقابة الفنّانين العراقيّين بعد انتخابات هيئتها الإداريّة الجديدة، وفوز الفنّان جبّار جودي بمنصب النقيب، كما عقد للمرّة الأولى بعد 2003، وبالتحديد في حزيران (يونيو) الماضي في بغداد، اجتماع المكتب الدائم لاتّحاد الأدباء العرب.
علي صعيد الجوائز، حصد كتّاب وفنّانون جوائز مختلفة: فاز الروائي عبدالكريم العبيدي بجائزة «كتارا» عن مخطوطة «اللحية الأميركيّة» (فئة الروايات غير المنشورة)، ونال الكاتب ضياء جبيلي جائزة الملتقى للقصة القصيرة، عن مجموعته «لا طواحين في هواء البصرة»، وشهدت أيّام قرطاج المسرحيّة تكريم الفنّان الرائد سامي عبدالحميد، وأيضاً فوز عرض «تقاسيم على الحياة» للمخرج جواد الأسدي بجائزة أفضل سينوغرافيا. كما فازت الفنّانة آلاء نجم في «مهرجان أربيل للمسرح» بجائزة أفضل ممثلة عن عرض «فلانة» للمخرج حاتم عودة. وحصدت مسرحية «مكاشفات» جائزتين في «مهرجان الدن للمسرح العربي» في مسقط: الأولى للفنّانة شذى سالم (أفضل ممثّلة)، والثانية لعزيز خيون (جائزة لجنة التحكيم).
وفي جائزة الشارقة للإبداع الأدبي، فاز كل من جراح كريم كاظم (الثاني في فئة الشعر)، وشاكر الغزي (الأول في القصة القصيرة)، وياس السعيدي (الثالث في القصة القصيرة)، وفيصل سوري حمد (الثاني في النقد).
وربّما يكون اختيار عبدالأمير الحمداني، ليكون على رأس وزارة الثقافة، من الأحداث التي اختتمت هذا العام، ودعت إلى شيوع شيء من التفاؤل باستيزار هذه الشخصية المعروفة في العراق، لأنّ الوزير الجديد من الوسط الثقافي ويعرف مشكلاته، ومعوّل عليه أن يُحدث نقلة في عمل المؤسّسة التي كلّف بإدارتها.