القاهرة | حين تسأل محرك البحث غوغل عن «ستوديو مصر»، سوف يجيبك بأنه اسم سلسلة مطاعم للكباب والكفتة وبقية المشويات، تمتد فروعه في القاهرة والاسكندرية ومدن أخرى. هو مطعم يستخدم اسم الاستديو السينمائي الشهير، كما يستخدم صور نجوم السينما المصرية القدامى، لإحياء جو من الألفة والدفء بين زبائنه. جو منبعه حبّ الزبائن لهؤلاء النجوم وأفلامهم التي شكلت ذاكرة وهوية الكبار والصغار منهم، ومنبعه أيضاً الحنين لتلك الأيام «الجميلة» التي شهدت أزهى عصور السينما، والأناقة، والاقتصاد، والديموقراطية، والحداثة... مقارنة بالحاضر الموصوم بالتراجع على كل المستويات.

«ستوديو مصر» هو أول شركة إنتاج سينمائي مصرية شاملة أنشأها رجل المال والأعمال طلعت حرب من بين مشاريعه العملاقة الأخرى، التي سعت لتأسيس وترسيخ الاستقلال الاقتصادي عن اقتصاد الاستعمار البريطاني والأجانب الوافدين. أنشئ «ستوديو مصر» عام 1935، بعد سنوات من المحاولات الفردية لصناعة الأفلام على يد محمد بيومي وعزيزة أمير وغيرهما. ولكن «ستوديو مصر» كان شيئاً مختلفاً عن كل ما سبق. مساحة هائلة من الأراضي، استديوهات تصوير، كاميرات وأجهزة تسجيل صوت على أحدث طراز، مهندسون وتقنيون ومخرجون، ومعامل تحميض وطبع... رأس مال ضخم للإنتاج واستخدام أكبر النجوم، أم كلثوم وعبد الوهاب ونجيب الريحاني وتحية كاريوكا وليلى مراد... شيء لم يكن له مثيل في المنطقة العربية أو القارة الأفريقية، يرقى إلى مستوى الاستديوهات الكبيرة في فرنسا وألمانيا، إن لم يكن في هوليوود نفسها.
لكن السنون والعقود جرت، وتركت بصماتها الثقيلة على الناس والمباني والأجهزة. قامت ثورة 1952، وجاءت الاشتراكية، وتعرض «ستوديو مصر» للتأميم مع بقية شركات السينما الأخرى، وأصبح في حوزة الدولة، حتى تخلت عنه، مع ما تخلت عنه من شركات ضمن خطة «الخصخصة»، أي بيع الشركات المؤممة للقطاع الخاص مرة أخرى. وهكذا آل «ستوديو مصر» مع بداية الألفية الثالثة إلى مخرج ورجل أعمال شاب، هو كريم جمال الدين، تحمس لإعادة بناء الماضي التليد، في حاضر كان يشي بمستقبل أفضل للسينما المصرية والبلد بشكل عام.
حكاية «ستوديو مصر» منذ تأسيسه إلى الآن، هي محور فيلم وثائقي جديد بعنوان «في ستوديو مصر» (2018 ــ 95 دقيقة) من إخراج وتصوير منى أسعد (1956). فيلم أثار الجدل وقلب المواجع خلال العرضين اللذين شهدتهما القاهرة منذ فترة. هذا الفيلم الذي يأتي بعد أكثر من 15 عاماً من قيام كريم جمال الدين وفريقه بشراء «ستوديو مصر»، يختلف عن كثير من الأعمال الوثائقية «المحايدة»، لأن صانعته منى أسعد كانت من أوائل الذين انضموا لفريق عمل الاستوديو وشاهدة عيان، بالعين والكاميرا، على هذه السنوات الطويلة التي بدأت بحلم كبير تحول إلى أنقاض كما حدث مع الاستوديو القديم.

شريط محمّل بالشجن حول أحلام الجيل الذي آمن بـ «ثورة يناير»


ترصد منى أسعد بكاميرتها تفاصيل الأيام الأولى من شراء المكان، والصراع المرير مع موظفين حكوميين غير نزيهين كل همهم هو محاولة تحصيل أكبر مقابل ممكن حتى لو كان بطرق مخادعة وغير صادقة. بعد زهوة الفكرة بالحصول على أكبر وأقدم استوديو سينمائي في الشرق الأوسط، سرعان ما تبين أن المكان لم يعد هو المكان، فقد تحول الاستوديو إلى خرابة بمعنى الكلمة: بضعة مبان متهالكة آيلة للسقوط، وبقايا معدات قديمة خربة لا تصلح وبنية أساسية تحتاج إلى بنائها من جديد.
بعد قضاء شهور، بل العام الأول كله، في تجهيز الاستوديو لعمليات التصوير والمونتاج والتحميض والطبع، وبعدما دارت العجلة لبضع سنوات، بدأت الظروف السيئة تحيط به: التراجع والاضطراب اللذان شهدتهما صناعة السينما في مصر بشكل عام. الظروف السياسية والاقتصادية المضطربة التي أعقبت ثورة يناير. التطور الهائل في صناعة الأفلام نتيجة الثورة الرقمية وانتهاء عصر الشرائط «السيلولويد» و«مافيولا» المونتاج تدريجاً.



تقسم منى أسعد فيلمها إلى فصول، يتقاطع خلالها تاريخ الاستوديو القديم بتاريخه الحديث، وبالحكايات الشخصية لمجموعة من الشباب الحالمين العاشقين للسينما، الذين تحولوا على مدار الأعوام – على حد قول أحدهم- إلى موظفين يذهبون كل يوم للعمل على أمل أن يمر اليوم بخير، حتى يستطيعوا أن يأتوا غداً! مع تقاطع التواريخ، يتقاطع أيضاً نوعان من الحنين للماضي: ماضي الاستوديو ونجومه وأفلامه التي تستعين المخرجة بكثير من مشاهدها ضمن نسيج الفيلم، ليس فقط خلال الجزء الذي يتحدث عن تاريخ المكان قبل الثورة، لكن حتى في الأجزاء التي تتحدث عن الحاضر. يتقاطع هذا الحنين لماضي الاستوديو مع الحنين إلى فترة شراء وتجديد المكان والأحلام الكبيرة التي كانت تسكن هؤلاء الشباب، قبل أن تتضاءل هذه الأحلام مع الزمن. «في استوديو مصر» فيلم يفجر المشاعر والأشجان ليس فقط حول تاريخ الاستوديو القديم أو الحديث أو صناعة السينما المصرية، ولكنه محمّل أيضاً بالشجن حول الأحلام الضائعة للجيل الذي آمن وشارك في «ثورة يناير»، والأحلام الضائعة لأمة حُكم عليها بالتخلف وتدمير ماضيها، بل ربما الأحلام الضائعة عموماً للإنسان التي تذبل وتذوي، مثل أي شيء آخر، مع مرور العمر.