هناك أكثر من سبب يمنح صفة الاستثنائي للحفلة الموسيقية التي أحياها أوّل من أمس كل من «فارس الأغنية التراثية الإيرانية» شهرام ناظري و الأب الروحي للموسيقى التراثية الطاجيكية دولتمند خالف في قاعة «مركز الباربيكان» في لندن، أكبر مركز للفنون التعبيرية في أوروبا.

إن كان ناظري قد حقق شهرة عالمية عبر حفلاته في أرقى الصالات الموسيقية العالمية، وشهرة مضاعفة بين الشعوب الناطقة بالفارسية بما فيها الشعب الطاجيكي، فإنّ الجمهور داخل ايران وخارجها على معرفة محدودة للغاية بأعمال المعلّم خالف الذي يعد من عباقرة الغناء والموسيقى الطاجيكية المعروفة بموسيقى فلك. وقد وفّرت الحفلة فرصة كبيرة لهذا الجمهور الذي شكل الأغلبية الساحقة من الجمهور الذي لفي التواصل مع الفن الموسيقي والغنائي في طاجيكستان، البلد الذي يشترك مع الإيرانيين في اللغة والتراث الشعري.

أحيا شهرام ناظري ودولتمند خالف حفلة في قاعة «مركز الباربيكان»

وإذا كانت اللهجة الطاجيكية تختلف قليلاً عن الفارسية الرائجة في إيران والدرية المنتشرة في أفغانستان، وإذا أخذنا في الحسبان اختلاف الآلات الموسيقية المعتمدة لدى شعوب البلدان الناطقة بالفارسية، غير أنّ الموسيقى المحلية الطاجيكية على غرار تلك التراثية في ايران تعتمد على الشعر الكلاسيكي الفارسي عموماً، والصوفي منه خصوصاً.
ترجم شهرام ناظري ودولتمند خالف هذا العنصر المشترك في أوّل أغنية تراثية قدماها للجمهور حين قرآ أبياتاً من الشاهنامة. ومما له أهمية بالغة في الحفلة اللندنية باكورة مشروع فنّي يحمل عنوان «لغة العشق» يهدف إلى تسليط الضوء على دور الشعراء الكلاسيكيين الفرس في الحفاظ على الهوية الثقافية للشعوب الناطقة بالفارسية. ومن المقرّر أن يتضمن إقامة حفلات موسيقية وفنية لثلاثين شاعراً من الألفية الأولى عاشوا في مساحة جغرافية تشمل 11 بلداً آسيوياً، من سوريا إلى الهند، بدءاً من بايزيد البسطامي وانتهاءً بعبد القادر بيدل دهلوي.
من أجواء السهرة

ويمكن القول إنّ هذه الحفلة سجّلت للمعلّمين شهرام ناظري ودولتمند خالف نجاحهما في ترسيخ المشترك الثقافي بين البلدين في الوقت الذي تشهد العلاقات الثنائية بينهما فتوراً ملحوظاً. والأكثر أهمية من كل ذلك، هو إتاحة الفرصة لناظري في التواصل مع جمهور الغناء التراثي من بعد إلغاء حفلاته داخل إيران لأسباب تتعلق بالجناح المتشدّد وسعيه إلى حذف هذا اللون الغنائي من الحياة الإيرانية العامة.
في الأمسية نفسها، عزف شهرام ناظري على آلة السيتار وقرأ أشعاراً من الأدب الصوفي الكردي، فيما كانت أغنيته الشهيرة «مرّة أخرى يتوق للبلاد هذا القلب» الأكثر تأثيراً على شريحة واسعة من الحاضرين ممن غادروا إيران قبل حوالي أربعة عقود.