«الموت/ قاعد عالغدا،/ وما في حدا عنده نفْس ياكل معه/ أصلاً، عَ بُخله، الموت مَ بيعزم حدا…». بلى، للأسف! فعلها الموت هذه المرّة. لقد دعا الشاعر إلى مائدته. تردد المحارب المتعب في قبول الدعوة، قاوم ردحاً، ثم مشى صاغراً إلى مصيره. الأغلب أنّ الموت جاءه متنكّراً بملامح «السيدة البيضاء في شهوتها الكحليّة»، فترك للخديعة أن تنطلي عليه.


لدى قراءة الديوان المشار إلى عنوانه هنا، التبس علينا الأمر، وظننا أنّه الحب، أنّها الرغبة، يرشحان من طيف امرأة… كلّ مرّة ننسى أن الشعراء يستعدّون سرّاً لموعد آخر مع تلك الحبيبة التي تأتي بوشاح سالوميه وعطر ليدي ماكبث. تربت برفق على كتف الرجل المنحني فوق أوراقه قرب فانوس محتضر، تأخذه بيده فيمشيان على خيط رفيع من الضوء ثمّ يذوبان في الأفق. لا يبقى سوى الكلمات، أوجاع وأفراح وأوهام ونشوات عابرة مكوّمة على المنضدة، لمن سيأتي لاحقاً. «مِن بَعْد ما فَلّيت/ صرْلي سِني قنديل زَيت/ ضّوَّيت ضَّويت بَعْدَك/ وانطَفيت».
الشعراء مختلفون حتّى في موتهم. يهجرون عصرهم بصمت وخفر. جوزف حرب يترك بيروت حائرة، والعالم العربي على فوهة بركان. أرض المجزرة ترجّع صوته: «سأظلّ أفتخر أنني عربي». الأغنيات يتيمة أيضاً. الجمهور العريض، من دون أن يعرف ربّما، يجالسه كل يوم. لقد تسلل إلى حياتنا مع أغنيات فيروز التي كتبها، ولحّنها زياد الرحباني أو فيلمون وهبي. «اعطيني اهرب منك ساعدني إنساك/ تركني شوف الأشيا وما تذكّرني فيك/ بيكفّي وأنا عندك شو خسرت سنين». جوزف حرب كان أكثر من صوت وشاعر. مثل العراقي مظفّر النواب ربّما، هناك مسافة ضوئيّة بين شعره الفصيح القائم على التفعيلة، وقصائده العامية التي تنحدر من نبع ميشال طراد والرحابنة وطلال حيدر. رئيس «اتحاد الكتاب اللبنانيين» (١٩٩٨ ـــ ٢٠٠٢) لم يترك لحضوره العام أن يخالط أدبه. هناك مسافة أيضاً بين المبدع والمناضل. ابن الدركي الذي تشبّع من الوجدان الشعبي، واختار خندق المساكين، عاش حيوات متوازية تقاطعت ليل الأحد عند النقطة نفسها. تحيّة إلى الشاعر الذي واجه العالم عارياً حتّى الرمق الأخير.

يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]