جوزف حرب نسيج وحده، فيه من الفرادة ما ليس في كثيرين من أبناء جيله. صحيحٌ يفوح من شعره عطرُ سعيد عقل لكنه تأثُّرُ المتجاوز (بكسر الواو) العارف كيف يمحو أثر سواه ليكون هو تماماً كما ينبغي أن يكون: هو لا سواه، أو لنقل إنّه استطاع في صياغاته الشعرية عصرنة لغة سعيد عقل المسكوبة سكباً كحلية يُتباهى بها، ومثلما يستطيع الجوهرجي اعادة صياغة الحلى المتوَارَثة النادرة، هكذا صنع حرب بما تعلمه وورثه عن أسلاف راسخين لا يُستهان بهم.

ليس في الشعر وحده تتجلى فرادة جوزف حرب، انما في السلوك أيضاً، كان (ويصعب الحديث عنه بصيغة الماضي الناقص وان كان الحاضر هو الناقص بدونه والمستقبل الشعري أيضاً) نسيج وحده في سلوكه ونمط عيشه، اختار العزوبية الأبدية ربما لأنه لم يطق شريكة للقصيدة حتى لو كانت ملهمة، فضّلَ ملهمات لا ينازعن القصيدة تاجها وحريةً تظلُّ أجملَ نساء الشاعر، واختار نوعاً من البريّة الاجتماعية فلم يكن هاوي مناسبات وعلاقات ولياقات ولا غاوي تصوير وشهرة وأضواء، مع احتفاظه الأكيد بلباقة عالية وفروسية نادرة ومروءة لا يختلف عليها اثنان.

يوم رغبت باستضافته في برنامج «خليك بالبيت» التلفزيوني، تمنّع كثيراً قبل الموافقة وذريعته عدم الرغبة بالحديث عن الذات، وذاته لم تكن متورمة كحال شعراء كثر، وكان في نفسه بعض عتب صار في ما بعد عتاباً، اذ أن اسم البرنامج هو ذاته عنوان قصيدة له غنتها السيدة فيروز. ولعلنا يومَ اخترنا الاسم، كانت القصيدة/ الأغنية مترسبة في قاع لاوعينا لكننا لم ننتبه للتشابه الحرفي الا حين بلغنا عتب المُحب. المهم، ظهر جوزف في البرنامج واستهلينا الحلقة بالأغنية وتصافينا على الهواء وتنازلَ لنا عن «حق» التسمية لأنه من تلك القلة النادرة التي لا تحمل ضغينة ولا تجعل من الحبّة قبّة.
مبدعٌ فردٌ بشعراء كثيرين جوزف حرب، يحار المرء من أي الأبواب يدخل اليه وكلها أبواب واسعة تكفي لدخول الجمل بما حمل، تجلى في كلاسيكياته التي أكثر ما يظهر فيها أثر سعيد عقل، كما تجلى في فصحاه وعاميته وفي قصائده الغنائية التي حملها صوت فيروز الى الأعالي البيضاء الناصعة وحملته هي (القصائد) الى مطارح جديدة غير تلك التي ارتادها الرحبانيان عاصي ومنصور، ولعلنا لا نغالي إن قلنا إنّ أغنيات حرب لفيروز هي تمهيد مُضيء لتجربتها الزيادية اللاحقة، وهي تجربة لجوزف حرب نصيب فيها لا يخفى على لبيب.
إشتغل جوزف حرب على الأنا من دون أن تشغله أناه عن ضمير الجماعة، فكان شاعراً مهموماً بقضايا المجتمع والناس، انغمس في السياسة والايديولوجيا، وكان على الدوام مقاوماً عنيداً ومناضلاً صلباً حتى في مواجهته الصامتة للمرض الخبيث. لكنه لم يُسقط قصيدته في فخ الخطابية والمباشرة ولم يحوّلها منشوراً سياسياً بل حافظ على كل الجماليات الضرورية لكي يظل الشعر شعراً صافياً عذباً ولكن محمّلاً بكل الهموم الانسانية الفردية والجماعية التي تميز شعره عن كثيرين من مجايليه. ولعل التنوع الذي طبع مسيرته الشعرية ساهم في هذا الأمر، حيث كان يتنقل بين الفصحى والعامية والقصائد المغناة بخفة فراشة لكن بأثر نسر جسور. وهكذا نرى أنه عمّر بيوتاً شعرية دافئة لنزلاء متنوعي الأهواء والأمزجة حتى بات الواحد منا أياً كان مذهبه الشعري، يجد لديه ما تطيب له النفس وتهواه.
لعل غزارة جوزف حرب الانتاجية واقباله على النشر بشغف وحماسة ناجمان عن حدس الشاعر بأنه لن يطيل الاقامة على أرض يظل فيها رغم كل مآسيها ما يستحق الحياة. لذا بدا كأنه في سباق مع الوقت وكانت محبرة شعره ملآى على الدوام يغمس فيها ريشته، فتصير مقص حبر يحذف زوائد اللغة وحشو الكلام لتظل القصيدة صافيةً مصفاة كما لو أنها منحوتة لم يترك فيها نحاتها نتوءاً واحداً زائداً، ولتتغاوى سيدة بيضاء بشهوتها الكحلية.
قرأته، عرفته، حاورته في الجريدة والاذاعة والتلفزيون. ولم يخطر في بالي أنني سأرثيه يوماً، ربما لأن الشعراء لا يموتون. فقط لا يرجعون. وفي تلك الحالات كلها، وجدته صلباً كالصخر لكن من جوف تلك الصلابة كانت تنبع مياه عذبة طرية تروي ظمأ الروح والوجدان.

* شاعر وإعلامي لبناني