عرفتُه من خلال سهيل إدريس (بالطبع). كانا صديقيْن، تَشْعر بالمكان الذي يجمعُهما وقد فاض دفئاً وحميميّةً. وبقيا متحابّين، حتى حين أعلن سهيل انسحابَه من اتحاد الكتّاب اللبنانيين لشعوره بأنّه (أي الاتحاد) بات عاجزاً عن أداء أقلّ القليل من مسؤوليّاته الثقافيّة والفكريّة، ولاسيّما في مواجهة الرقابة والقمع والطوائف والمذاهب. جوزف، وكان الأمينَ العامّ للاتحاد آنذاك، طوى بيانَ الاستقالة، قائلاً: «أنت أبو الصبي يا دكتور. ولو!»

أصرّ جوزف على العودة، وأصرّ سهيل على اللاعودة.

■ ■ ■


منذ أعوام اتصل بي جوزف، ورغب إليّ في أن أكون في قيادة اتحاد الكتّاب (وهذا سرٌّ قد لا يعرفه إلا صديقنا المشترك الرفيق نجاح واكيم). قال إنّ الاتحاد يحتاج إلى «دمٍ جديدٍ... لكنْ بثوابتَ راسخة». قلتُ لجوزف إنّ الاتحاد عزيزٌ عليّ كمجلة «الآداب»، لكنّه يحتاج إلى نفضةٍ جديدةٍ تطاولُ تركيبتَه وبرنامجَه، وتطاول كثيراً من المنتسبين الذين «أُقحموا» فيه إقحاماً ـ خلافاً لشروط الانتساب نفسِها ـ بهدف دعم هذا الطرف السياسيّ أو ذاك. وقلتُ إنّ الاتحاد بات منذ سنواتٍ طويلةٍ شبيهاً بعددٍ من المؤسّسات اللبنانيّة، محضَ تجمّعٍ للمحاصصات الحزبيّة، حتى كاد يغيبُ عنه معظمُ الأدباء اللبنانيين من أصحاب الإسهام الفعليّ في حركة الأدب والفكر في لبنان والوطن العربيّ.
وافقني جوزف الرأيَ، ووعدني بأن نخوض معاً معركةً كبيرةً لاستعادة مَنِ انفضّ عن الاتحاد من الأدباء والمثقفين المحترمين. أذعنتُ لرغبة الحبيب جوزف، لكنه اتّصل بي بعد ذلك بشهر أو أكثر ليبلغَني أنّه قرّر أن يُحجمَ عن الترشّح. لم أسأله عن السبب، بل أجبتُه سريعاً: «إيه أحسن هيك والله». وفي قرارةِ نفسي قلتُ: «طلعتْ منك، ومش منّي، يا جوزف!»

■ ■ ■



قبل عامين، وعلى مدى شهور طويلة، كان جوزف الوجهَ الأبرزَ في تجمّع وطنيّ ديمقراطيّ عَلمانيّ شاركتُ في تأسيسه مع رفاقٍ آخرين. كان حضورُه في هذا التجمع استثنائيّاً؛ فخطابُه في مهرجاناته لم يكن خطاباً تقليديّاً محتشداً بالعبارات والاستعارات المألوفة والمملّة، بل كان خطاباً يَنوس بين السياسةِ والشعر، محتفظاً في الحاليْن ببلاغةٍ عذبةٍ ندر أن تجدَها عند أيٍّ من سياسيّينا. كان جوزف نسيجَ وحدِه في الخطابة السياسيّة: شاعراً يَخْطب، ويا للغرابة، في الأولويّات والتكتيكات والخطواتِ المرحليّة وبرامجِ العمل! ولطالما أصابتني الدهشة وأنا أسمعُه يقرأ علينا الخطابَ قبل تلاوته في المهرجان (بهدف استمزاج آرائنا) أو أثناءه:
ـ فعبارةُ جوزف فريدةٌ في توليفها بين الجزالة المنحوتة من صخرِ المتنبّي، والمباشرةِ النابعةِ من تاريخٍ يساريٍّ يؤْمن ـ وبصدق! ـ بالاحتكاك السلس بجماهير الناس، دونما تملّقٍ كاذبٍ أو دغدغةٍ شعبويّةٍ زائفة.
ـ وعبارة جوزف كانت تسعى إلى أن توفّقَ، ربّما أكثرَ من أيّ لبنانيّ آخر عاصرتُه، بين الأهداف الإستراتيجيّة العليا (وهي عنده تتلخّص في أقانيمَ خمسة: تحقيق العروبة والاشتراكيّة والعَلمانيّة والديمقراطيّة وتحرير فلسطين)، والأهدافِ القابلةِ للتحقيق الآن وهنا (وعلى رأسها إقرارُ قانونٍ انتخابيّ عادل قائمٍ على أساس النسبيّة خارج القيد الطائفيّ).
جوزف، في ذلك كلّه، كان أقربَ الناس، ربّما، إلى رئيف خوري: كلاهما مناضلٌ على جبهة الحاضر والمستقبل، الواقعِ المثال، السياسةِ والشعر. نعم، ها قد تذكّرتُ للتوّ: كّلما التقينا، أنا وجوزف، كان رئيف خوري ثالثَنا. نعم، جوزف هو الابنُ الأوفى لرئيف، بلاغةً وموقفاً واستشرافاً وطموحاً.

■ ■ ■



في حدود الساعة التي حشرني بها، كالعادة، العزيزان بيار وأمل، حرصتُ على أن أقدّمَ ما قد لا يتناولُه الزملاءُ الآخرون هنا. لكنْ يبقى أجمل ما في جوزف ما لن تقولَه الكلماتُ: من دماثةِ خلق، وشهامةٍ، وخفّةِ دمٍ، وسرعةِ بديهةٍ، وتوقّدِ عاطفةٍ، ودمعةٍ صادقة. وستبقى ترنّ في أذني، ما حَيِيتُ، حشرجتُه الدامعةُ وهو يهاتفني مرتيْن خلال أقلّ من شهرٍ من العام 2008: مرةً حين قرأ رثائي للدكتور جورج حبش، ومرةً حين رحل بابا الدكتور سهيل إدريس.
* كاتب وناشر «الآداب»