يصوّر مروان طحطح البحر كأنه يتفادى الرؤية، متعمّداً الهرب مما يقبع خلف العدسة.

البحر هو مغناطيس بيروت. نتيقّن أنه مصير كل كائنات المدينة، التي لا خيار أمامها إلا الانزلاق نحوه في النهاية. كل الخطوات تؤدي إليه. على الأقل، هذا ما يتبدّى لنا لدى رؤية معرضه الفردي الثالث «البحر يغادرنا عندما نرحل» في بيروت، بعد معرضيه «خارج التركيز» و«مدينة أين». في غاليري Tree of Art (فرن الشباك) التي افتتحها زياد توبة كفضاء فنيّ بديل عن مركزيّة الغاليريهات الضخمة في العاصمة، يعرض الزميل مروان طحطح 23 صورة بالأبيض والأسود التقط معظمها على شاطئي عين المريسة والرملة البيضاء، وأخرى في مدينة صور خلال السنوات الثلاث الأخيرة. يصعب التأكّد مما إذا كان البحر يغادر شخوص الصور حقاً كما يقول عنوان المعرض، حتى لو كان للرحيل معنى الموت.

من المعرض

بتخلّيه عن الألوان، وبتجريد البحر من أبرز سماته أي الأزرق، يكتفي بالأبيض والأسود وتدرّجاتهما وتنافرهما بإعادة تشكيل هذه المساحة المائيّة. يقبض بحساسية على الظلال والضوء وانعكاسهما في الماء وعلى الصخور والأجساد. يبني صورته من عناصر مقلّة، تقوم على تقسيم متواز للكادرات وهوس هندسي بالتركيب. الفراغ من الجانبين يتكرّر في اللقطات، وهو ما يمنحها ذلك الشعور المكثّف بالعزلة. وحين تتكاثر الأجساد في المشهد، سيكون حضورها طيفياً. يسبح البحر كله في الكادر غالباً، من دون زوائد مكانيّة تستفيض في تقديم هويّة للمدينة. على أطرافها، يبحث طحطح عن ممارسات الناس فيه (السباحة، القفز، الغطس، الصيد...) لا توثيق موجّهاً، بل تماهياً مع علاقتهم الحسيّة والجسمانيّة القصوى بالمياه، بدءاً من صورة الملصق التي تظهر جسد فتى يسقط على البحر. تماس فطريّ كهذا كافٍ لأن ينفي الحضور الثقيل للوقت أو المكان. سيكون مبرّراً تخيّل أن هذه الصور أخذت لأي شاطئ على المتوسّط. يداري طحطح ويحمي الحضور الفردي الخافت في صوره، وإن كانت الأجساد تتخذ وضعيّات حركيّة قصوى كالقفز مثلاً. قد ينسى الشاطئ كلّه ويتصيّد امرأة محجّبة تقف بمفردها وسط المياه أو رجلاً يبتعد في مركبه وحيداً. هناك جسدا شابين يتخذان لون الصخور الرفيعة التي تصنع خطّاً موازياً للخط الفاصل بين المياه والسماء. ولد يعوم في مسبح بتشكيلات هندسيّة تطلع من الماء ثلاثية الأبعاد.

رجل يتصلّب أمام الماء رافعاً يده ليقيس حجم عضلاته، ومركب يلتفّ حول نفسه بشكل دائري وفق الرغوة البيضاء التي يخلّفها وراءه... والبحر ساكن دائماً. يقتصّ طحطح مشاهده من الصورة العامة، كأنه يمدّد رؤيته على هامش مشاريعه الخاصّة مثل «خلف الحجاب» الذي شاهدناه ضمن معرض جماعي في بيروت العام الماضي، أو كاستراحة من عمله الصحافي الذي وثّق فيه يوميات اللجوء، وخراب مدينتي حمص وحلب بعد أيّام على انتهاء المعارك فيهما. من يرى صوره السابقة لبيروت، يعرف أن البحر هنا خلاص آخر. في تلك اللقطات المدينية، يختنق المشهد تماماً. تصير الأبنية امتداداً لتلال من الحصى تستعدّ بدورها لأن تصبح عمارات أخرى.
الأجساد مجبولة بالملح، أو نمت كالسحالي على صخور نرى تفاصيلها بدقّة

لذلك، فإن هذه الصور، رغم خفرها وهشاشتها، تأخذ موقفاً مدينياً عبر احتفاظها بالعلاقة بين الناس وآخر المساحات العامّة في بيروت، ولو كانت المجارير هي شرايينها البديلة. نعرف أن مروان يتجنّب هذه القساطل الداكنة كما يتجنّبها فتية يهمّون بالقفز في لقطة تبين ظهورهم وتبدو مقتطعة من أحد أفلام الموجة الواقعية الجديدة في إيطاليا. يعتقد المصوّر أن قفزات الشبّان العراة من حوافّ مرتفعة، هي قفزات عنيفة، بمعنى أنها تختصر الكثير من علاقتهم مع مدينة تواصل تهميشهم اقتصادياً واجتماعياً. بدوره، يختصر طحطح مجمل علاقتهم بالمدينة عبر البحر وحده. «من أنا لأدلّكم على الأحجار التي ولدنا عليها كالسحالي، حين كانت المدينة ترفع رأسها من البحر. تغذينا بالشمس والملح، وأكلنا على الراحات أسماكاً حيّة.


وكانت المياه تتناولنا من على صخورنا ونحن نتعلّم الكلمات والأفكار كلّ يوم» كتب عباس بيضون عن مدينة صور في قصيدته «صور». يلائم هذا المقطع صور المعرض، حيث الأجساد مجبولة بالملح، أو نمت كالسحالي على صخور نرى تفاصيلها بدقّة، إلا أن المدينة فيها جفّت تماماً منذ أن رفعت رأسها من المياه. وأخيراً، لا تنجو الصور من الاسمنت. الأبنية التي تجنّبتها العدسة طوال الوقت، ستقبض على المشهد بأكمله حين يسقط البحر كبقعة صغيرة تحت الإضاءة المنسلّة من لمبة الشارع. وعلى شاطئ الرمّلة البيضاء، يقرفص طيف طفل مديراً ظهره للأبنية المضاءة التي تتربّص به في لقطة قاتمة لا نعود نميّز فيها الحضور الحقيقي لأي منهما. أما في الصورة الطولية الوحيدة في المعرض، فيقف ولد مع ظلّه قبالة مكعّبات اسمنتيّة تتقادم نحو البحر كأنها تنذر بمستقبله.

«البحر يغادرنا عندما نرحل» لمروان طحطح: حتى 29 آذار (مارس) الحالي ـــ غاليري Tree of Art (فرن الشباك ــ بيروت). للاستعلام: 03/839720