ما المثقف؟ من المفيد أن ننسى الآن مفكّراً مثل إدوارد سعيد. قدّم الأخير عملاً فذاً في تحليل «المثقف»، وأبانَ ما يحوط المثقف من التباسات تتعلّق بالهوية والوظيفة. في مقابل ذلك، هناك كاتب ساخر، مثل عزيز نيسين، قد يفتح لنا باباً أكثر سيولة لإشكالية المثقف الدائمة. يفاجئنا نيسين بعنوانه غير المتسامح «المثقفون الجبناء».


المثقف ليس قراراً، أو موقفاً، وهو بالتأكيد ليس صانع أحداث. هو، بكل بساطة، فرد من المجتمع، يمتاز عن غيره بإحساسه المفرط بالمخاوف. للمثقف قرون استشعارٍ حادة جداً، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بأمنه الشخصي. في اللغة التصنيفيّة التي تتحيّز لممارسة الاتهام، يجري الحديث عن «جُبن المثقّف».
في البحرين، نعثر على خَليقة أجدر بالمثقف، وهي «المثقف السائل». يمكن أن يصبح ثلجاً، أو غازاً، ماءً صالحاً للشرب، أو ماء ملوّثاً بالنفايات. هذا المثقف رهن تفاعلات السلطة وكيميائها. هو «شيء» خلاّقٌ، فيه أنحاء من السحر وميكانيكا التحول، لا شكّ في ذلك. لكنه غير حرّ. مُستلَب في الدّوام، وخارج الدوام. يُرِيكَ إقداماً لا يوصف في نقد الهوامش وكسرات الخبز، لكنه يستعير قاموس الاحتياط الأصولي كله حين يكون بصددِ متْن السلطة وجبروتها. ما مناسبة هذا الكلام؟ إنها الصورة. ثورة البحرين امتلكت صورتها. إلا أنّ صور الثورة، في عامها الثالث، لم تكمل ألبومها، أو لن تكمله، إلا بضمّ صور مثقفيها وهم يخرجون من قلب المشهد إلى إطاره، وبالعكس. الصور تحتفي بالمثقفين وهم يشربون الشاي في مضائف دوار اللؤلؤة، بعد التقاط صورٍ للذكرى أمام نُصب اللؤلؤة الذي مسحه الاجتياح السعودي. الكاميرا تلتقط واحداً من المثقفين، اثنين، أكثر من ذلك، وهم يحاضرون في خيم المعتصمين. العدسات المنصوبة في الأيدي تنقل صوراً بانورامية لآخرين على تماس من لوحات زيّنت محيط الدوار. تسجّل بعض الصور شفاههم وهي تنطق بالافتخار وعظمة «الإنجاز الشعبي».
شوهد المثقفون وهم يكسرون، رفقة الناس، جدران الخوف، ويجرّون أرجلهم ناحية الثورة. بعضهم تعفّف عن الولوج في الكاميرات، وآخرون تركوا أنفسهم تنساب، بلا حساب، في لبّ العدسات. غاب آخرون عن صور الثورة، بإراداتهم المكسورة، فثمة مثقفون لا يثقون بالميادين التي يهواها المصورون، وكل حضورهم لا يكون إلا في الكلام والجلوس على الكراسي المريحة. نقلت الصور وجوهاً لمثقفين حملوا أقلامهم ليرموا خيباتهم في وجه الثورة. لا تغيب الصور الرمادية لمثقفين تعسّروا في فهم سخط الناس، وارتضوا أن يزاحموا البلاط لالتقاط صور الولاء وتسجيل العبودية. في أحضان هؤلاء، كُسرت الكاميرات التي أرادت فضحهم، ووجّهوا صوبها الأحبار المصقولة بالظلام. لكن، رغماً عن أولئك، فإنّ ألبوم الثورة لا يُغلق بهذه الفزعات، لأن الكاميرا الحرّة تعرف بملء عروقها أنّ «الصورة دونها الموت».


* باحث وكاتب بحريني