يقترح بندر عبد الحميد (1947) في كتابه «ساحرات السينما: فن وحب وحرية» (دار المدى)، تاريخاً موازياً للقرن العشرين بكل تحولاته، عن طريق السينما بوصفها تعبيراً مباشراً عن الحرية، وذلك بلقطات مقرّبة تنطوي على موقف احتجاجي مما أصاب الكرة الأرضية من كوارث وخيبات وهزائم. وسوف ينتصر لساحرات السينما بوصفهنّ خط الدفاع الأول عن قيم الحب في مواجهة الخراب الروحي الذي آل إليه الكوكب.


مارلين مونرو: هوليوود مكان يدفعون فيه ألف دولار لقاء قبلة، ونصف دولار ثمناً لروحك

في مقدمته للكتاب، يستعرض المؤلف أبرز محطات القرن مازجاً بين التطور العلمي وفن السينما، هذا الفن الذي وُلد من معطف التصوير الضوئي وأسرار الفيزياء والكيمياء والمعجزات الكبرى والحروب وموسيقى الجاز والطيران والاتصالات. هكذا يرمّم الشاعر والناقد السينمائي السوري شاشته الخاصة في استعراض فتنة 145 نجمة سينمائية ساحرة، لعبن دوراً حيوياً في تصدير الدهشة إلى مخيّلة ملايين المشاهدين في العالم، في أنطولوجيا سينمائية شاملة، رصد خلالها السيرة الذاتية لكلّ نجمة، وأبرز أفلامها ومختارات من أقوالها، وكأنه يرمي إلى إزاحة النكبات الراهنة عن كتفيه نحو مصنع الخيال وحسب. فيما حقّقت السينما العالمية قفزات كبيرة في ملعب الحرية، يقوم العالم العربي على «استيراد الجوع وتصدير ثقافة الخوف من الثقافة» في ظلّ رقابة بمخالب متعدّدة، بالإضافة إلى بدع التحريم والتكفير والقتل والإرهاب الدولي.
من ضفةٍ أخرى، يربط بندر عبد الحميد تطوّر السينما بتطوّر الطيران، في إشارة إلى متعة التحليق عالياً عبر الصورة، فيما ارتدّت السينما العربية إلى الخلف بتأثير فتاوى التخلّف والكوارث الثقافية المزمنة، مشيراً إلى وجود توصية في ميثاق الجامعة العربية حول استخدام السينما في مناهج التعليم، ولكن هذه الفقرة ذهبت مع الريح. يفتتح الكتاب سجل ساحرات السينما بإحدى أشهر أيقونات الشاشة الفضية وهي السويدية غريتا غاربو (1905- 1990). غموض شخصيتها أضفى عليها نوعاً من السحر والجاذبية والانطواء، ما جعلها أسيرة كبار مخرجي هوليوود زمن السينما الصامتة وما بعده بأدوار نساء مشهورات مثل آنا كارنينا، وزهرة الكاميليا، والملكة كريستينا.

جين فوندا: العمل في هوليوود تجربة حقيقية في مجال الدعارة

بنشوب الحرب العالمية الثانية، أحسّت بأن العالم بدأ يتغيّر، فاعتزلت التمثيل وهي في السادسة والثلاثين، حتى لا تتغيّر صورتها المطبوعة في ذاكرة عشّاق السينما، وعاشت في عزلة طويلة. كما سيصدر في السويد طابع بريدي يحمل صورتها (1980). من أقوالها: «كنت دائماً أرغب أن أعيش حياتين: حياة من أجل السينما، وحياة من أجلي أنا». وسيتوقف عند سيرة مدلّلة هوليوود أودري هيبورن (1929- 1993) التي عاشت سنوات من البؤس والحرمان في شبابها الأول، قبل أن تتربّع على عرش سينما الأربعينيات بجاذبية خاصة وبراعة في الأداء والحركة، إلى جانب كبار ممثلي هوليوود أمثال غريغوري بيك، وهمفري بوغارت، وغاري كوبر، وكان أشهر أفلامها «إجازة في روما» وقد نالت عنه جائزة الأوسكار (1953). تقول: «الحياة حفلة، إلبس ثيابك وانضم إليها». وسيفرد الناقد صفحات مطولة عن حياة مارلين مونرو تحت عنوان «الإغراء في ألف صورة». ههنا قنبلة إغواء تركت آثار شظاياها إلى اليوم في تاريخ السينما، إذ ارتبطت سيرتها بمغامرات مجنونة كمحصلة لحياة مضطربة ستنتهي بانتحارها عن 36 عاماً (1962) والذي سيبقى لغزاً غامضاً، نظراً إلى السنوات القاسية التي عاشتها، من ملجأ للأيتام إلى أسطورة مرتحلة من زمنٍ إلى آخر. امرأة طائشة وجسد مشتهى وفضائح بالجملة. وسوف تختزل فلسفة هوليوود بجملة واحدة: «هوليوود هي مكان يدفعون فيه ألف دولار لقاء قبلة، ونصف دولار ثمناً لروحك». ومن أقوالها الأخرى: «وُجد الجسد لكي نراه وليس لكي نغطيه»، و«الكلاب لا تعضني وإنما الناس هم من يعضوني فقط».

كتبت سيمون دو بوفوار مقالاً عن بريجيت باردو بعنوان «ظاهرة لوليتا»

كان هيتشكوك قد عقد مقارنة بين مارلين مونرو وبريجيت باردو بقوله: «مسكينة مارلين مونرو، كان الجنس مرسوماً على وجهها. أما بريجيت باردو فإنها لا تستطيع أن تخفيه». الثانية ستقتحم الشاشة بكامل عريها في فيلم «وخلق الله المرأة» للمخرج الفرنسي روجيه فاديم (1956)، وإذا بسيمون دو بوفوار تكتب عنها مقالاً بعنوان «ظاهرة لوليتا» في إحالة إلى رواية فلاديمير نابوكوف المشهورة، معتبرة إياها «ثروة وطنية تفوق إيرادات سيارات رينو». لكن هذه الأيقونة الفرنسية ستعتزل التمثيل أوائل السبعينيات لتتفرغ للدفاع عن حقوق الحيوانات: «الرجال وحوش، وحتى الوحوش لا تفعل ما يفعله الرجال». بالنسبة إلى نجمة مثل جين فوندا، فإن هجاء هوليوود كان أساسياً في مسيرتها الطليعية: «إن العمل في هوليوود يمثّل تجربة حقيقية في مجال الدعارة»، كما كانت من أقوى المناوئين لحربي أميركا في فيتنام والعراق، فيما سيحتل كتابها «سن البلوغ» قوائم الكتب الأكثر مبيعاً. وستكتب مذكراتها تحت عنوان «حياتي البعيدة جداً» (2005). ومن أقوالها المؤثرة: «أنا أحب الأخطاء لأنها الطريقة الوحيدة للتعلّم».
هجاء هوليوود كان أساسياً في مسيرة جين فوندا التي كانت من أشد المعارضين لحربي أميركا في فيتنام والعراق

على هذا المنوال، يرصد صاحب «السينما الساحرة» سير نجمات السينما في العالم - مستثنياً ساحرات السينما العربية، نظراً لتوافر المعلومات عنهن في كتبٍ أخرى - في خريطة شاملة توثّق التحولات البصرية للجمال الأنثوي، من أودري هيبورن، وانغريد بيرغمان، وصوفيا لورين، إلى جوليا روبرتس، وأنجلينا جولي، ونيكول كيدمان، بالإضافة إلى عمق تجارب أغلب النجمات عبر ما تكشفه أقوالهن في السينما والحرية والحب. تقول ميريل ستريب: «إن عملي عادة هو التعبير عن المشاعر بكل ما يمكن من الحرية». أما جولييت بينوش، فتقول: «التمثيل مثل تقشير البصل، كلما تزيل طبقة تظهر طبقة أخرى».